You are here

تنظير

البطن ولا الرجل ولا الرأس

بناء على طلب أبو أحمد اللي مشجعني على حالة التنظير اللي ناقحة علي اليومين دول، ده رد على مقال عمرو الشوبكي "وهم الثورة الشعبية"

تفكيك

أظن عمرو الشوبكي بيعمل قفزات غير أمينة في التحليل.

مش صحيح أن العصيان المدني الواسع و الثورة الجماهيرية شيئ نادر للدرجة، هو بيتجاهل مثلا تفاصيل الصراع في أمريكا اللاتينية فخبرات زي النضال لتحرير المياه في بوليفيا اعتمدت على عصيان مدني واسع و طويل الأمد و أدت الي اسقاط النظام مش بس تحقيق مكاسب أفقية. من المذهل برضه تجاهله للثورات الهندية و الجنوب أفريقية. و كأن العصيان المدني لم يكن الأداة الرئيسية في تحرير البلدين دول.

لكن خلينا نقول أن خبرة معاصرة زي خبرة بوليفيا مختلفة اختلاف جذري عن تجربة زي الثورة الايرانية، و أنا متفق معاه في شبه استحالة نجاح مشروع العصيان المدني و الثورة الجماهيرية اللحظية في مصر,

فتجربة لبنان الأخيرة و كان تجربتنا التاريخية في يناير 77 متخليش الواحد يتفائل قوي من جدوى العصيان المدني و التظاهر لوحده، و طبعا حال المعارضة المصرية بما فيها حركات المعارضة الجديدة و حتى الأخوان المسلمين ميسرش عدو ولا حبيب، كلنا بنضحك لما عبد الحليم قنديل بيتكلم عن مظاهرة ال100 ألف، كلنا عارفين أن مش أحنا اللي نقدر نحقق ده و أغلبنا عارف أن حتى لو تحقق مش بالضرورة يكون الحل.

في انتظار الجناح اياه

لكن أني أنتقل من الاعتراف برومانسية مشروع عبد الحليم قنديل العبثية و صعوبة تحقيق سيناريو مشابه للثورة الايرانية (اذا افترضنا رغبتنا في تحقيقه أصلا) لأني أدعوا دعوة غامضة لتحرك اصلاحي استجدائي يخاطب الشرفاء المزعومين اللي داخل النظام فلا مؤاخذة ده استهبال شديد حتى لو لم تكن ثوريا.

اذا كان تراث انتظار الثورة الجماهيرية عندنا طويييل و محبط و ربما يدل على سذاجة، فتراث انتظار الجناح الوطني داخل النظام أطول و أكثر احباط و أخطر و أكثر سذاجة و عبثية. فين يا أخوانا الجناح الحلو من داخل النظام ده حد يديني أمارة؟

لو افترضت أن عمرو الشوبكي لا بيستهبل ولا بيستسهل يبقى التفسير الوحيد أنه يقصد ناس كويسة داخل مؤسسات الدولة العديدة مش داخل النظام الحاكم.

revolution not evolution

للأسف تعجلنا و قلة حيلتنا و تعودنا على جلد الذات بيخلينا مناخدش بالنا من تطورات مهمة جدا في مجتمعنا، في تصوري حركة مثل 9 مارس على صغرها و حركة القضاة على نواقصها تمثل تجربة مختلفة جذريا يصعب تصنيفها بالتصنيفات التقليدية بتاعت اصلاحي و ثوري، دي حركات فؤية معنية بالأساس بالدور العام و المصلحة العامة و ليست مصلحة الفئة، و رغم احباطاتنا من القضاة مثل مواقفهم المخذلة من المرأة لا يمكن أني أقول عنهم أنهم حركة انتهازية (مش لنزاهتهم و ان كنت مؤمن بيها لكن فعلا لانتفاء صفة الانتهازية الفئوية عن الحركة). يمكن أكثر حاجة ثورية في الحركتين دول أنهم اختاروا يفصلوا نفسهم عن النظام، فالقضاء سلطة و الجامعة صارت مؤسسة من ضمن مؤسسات السيادة بتاعت دولتنا و دي ناس اختارت أنها تتخلى عن موقعها من معادلة السلطة في مقابل قيم و طموحات و أحلام لو دي مش ثورة يبقى مفيش حاجة اسمها ثورة أصلا.

فك لولب الثورة و الاصلاح

رغم أني غالبا بتفادي التنظير على المدونة دي من باب المحافظة على جو العمرانية الشعبي الأصيل، لكن من يعرفني يعرف أني زي أي مناضل من المقاعد الوثيرة بحب أنظر قوي، و بما أننا اتفقنا أني مش مدون فهتخلي عن الخطط القديمة و اسمح لنفسي أنظر علنا.

في الأدبيات و النقاشات اليسارية يتككر دائما السؤال الأزلي ثورة أم اصلاح، في رأيي السؤال عبثي و مرتبط أساسا بتفاصيل الجدل اليساري - يساري في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية، بالتالي لا علاقة له بخبرتي الشخصية و تاريخي غير أنه موروث مزعج يسمح لليساريين بتفريق نفسهم أكثر مما هم متفرقين أصلا.

تكمن المشكلة الأساسية في السجال حوالين لولب الثورة و الاصلاح في التباس المعاني، فالناس لما بتتكلم عن اصلاح غالبا ما بيبقاش واضح ده وصف لمطالب و أهداف و مكاسب محددة ولا ده وصف لطريقة تحقيق مطالب و أهداف و مكاسب محددة؟

دعنا نبدأ بالاعتراف بامكانية "النضال الثوري" من أجل مطالب اصلاحية، و خليني من دلوقتي أقول أن فلول اليسار العتيق الي بتصر على أن تحقيق مكاسب اصلاحية ضار لأنه يمتص الغضب و الطاقة الثورية القادرة على احداث تغيير جذري ناس بتتعولق و غاوية تضيع وقتها و مستعدة للتضحية بالأم و الجنين عشان خاطر المشرط.

أنا مغرم بتشبيه المفاهيم السياسية بمفاهيم رياضية و فيزيائية (مش لأن السياسة خاضعة للتحليل العلمي لكن لأن ده بيقرب الأمور لدماغي)، لو افترضنا أن فيه دالة تعبر عن محصلة نمو و تطور مجتمع فيها مستويات المعيشة و حقوق الانسان و الحرية متغيرات تؤثر على منحنى الدالة، لما نتكلم عن التغيير يبقى المفروض بالضرورة نكون مهتمين بمشتقات الدالة الأولة و الثانية مش بقيمة الدالة.

يعني لو بنتكلم عن تغيير يبقى وسيلتنا للتقييم هي ايه المكاسب اللي قدرنا نحققها في تحسين حياتنا بالنسبة لما كان عليه الوضع قبل ما نبدأ نشتغل، مش المعيار هو قربنا قد ايه من مجتمع فاضل وهمي اخترعناه في دماغنا ولا يبقى المعيار هو قد الدنيا حلوة في تو اللحظة. وسيلة الوصول للتحسين مش مهمة المهم هو مدى استمرارية التحسين.

لما بقول أني ثوري، بمعنى أني مقتنع بضرورة التحرك الثوري لتحقيق مكاسب اجتماعية حتى لو كانت المكاسب دي محدودة اللي أقصده أني مش مقتنع بامكانية حماية المكاسب دي لو كان اسلوب العمل اصلاحي.

يعني أي مكسب بنحققه في المحاكم مهم لكن يسهل التراجع عنه، في حين أن مكاسب تم تحقيقها بحراك و ضغوط جماهيرية أتصور أنه يصعب التراجع عنها. طبعا ده تصور شخصي أو مسألة ذوق بالأساس فتعقيد تعاقب الأحداث بيخلي صعب جدا رصد الحاجات دي كقواعد ثابتة.

Subscribe to RSS - تنظير