You are here

dostorna

بروتوكول دستوري

نشرت في جريدة الشروق بتاريخ 2 نوفمبر 2018 بعد اصدار تأسيسية الأخوان للمسودة الأولى لدستور 2012. خرجت علينا اللجنة بعدها بمسودة اسوأ بمراحل و خصوصا بسبب مواد عسكرة الدولة.

اعيد نشرها آملا عدم تكرار نفس الأخطاء. و ان كنت لا اعول كثيرا على اي آلية لصياغة الدستور بدون مشاركة شعبية حقيقية. .


تمسك أغلب المشاركين فى الثورة بكتابة دستور جديد، معتبرين أن إسقاط دستور مبارك جزء من عملية إسقاط النظام، وبالتالى فصياغة دستور جديد هى بالتأكيد جزء أصيل من عملية تصحيح الأوضاع التى استقرت أثناء حكم نظام مبارك، ومعالجة آثار ذلك النظام. الطبيعى فى هذه الحالة أن يحيد الدستور عن دستور مبارك تماما، وأن يكون معنيا بعلاج كل أوجه القصور فيه.

ولكن كالعادة: ما يبدو بديهيا لعموم الثوار نجده عصيا على فهم قياداتنا ونخبنا السياسة. خرجت علينا اللجنة التأسيسية بمسودة لدستور جديد لا يتخطى القديم، وبدلا من علاج كل مساوئ الدستور القديم (دستور ١٩٧١) اكتفى أعضاء اللجنة بأن مسودتهم أفضل منه، ولو قليلا ثم قاموا بتسوقيها على أنها أفضل دستور فى تاريخ مصر.

مع نشر المسودة تخطينا مرحلة السجال على تشكيل اللجنة، وبدأ الجميع فى انتقاد تفاصيل المحتوى مادة مادة، وبدأنا نرى اتفاقا واسعا على ما يلزم تغييره، لكنى أخشى أن الاكتفاء بادخال تعديلات ــ حتى ولو جوهرية ــ مع الاحتفاظ بنفس المنهجية لن يأتى بدستور يختلف تماما عما كنا سنصل إليه لو كنا ارتضينا أن نعدل دستور 71 بدلا من إسقاطه. دستور الثورة يحتاج، من ضمن ما يحتاج، الانتباه للنقاط التالية

أولا ــ أحكام الصياغة:

بعد قراءة عاجلة للدساتير الحديثة يمكن حتى لغير المتخصص التمييز بين دستور يكتب ليطبق ودستور يكتب ليتم التحايل عليه، دستور يلزم السلطات ويقيدها ليضمن ما نص عليه من حقوق ودستور يكتب «سد خانة»؛ ينص على حقوق بلا ضمانات تذكر.

كتبت المسودة ــ خصوصا فى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ــ بلغة فضفاضة لا تنص على الحقوق صراحة إلا فى أضيق الحدود، لذا نجدها مليئة بعبارات مثل «تعمل الدولة»، و«تسعى الدولة»، و«تكفل الدولة»، و«ترعى الدولة»، لكن نادرا ما نجد صياغة صريحة بأن لجميع المواطنين الحق فى كذا.

إلزام الدولة بأن تعمل لتحقيق هدف ما لا يعنى إلزامها بتحقيق هذا الهدف، يكفيها أن تشكل لجان «لتعمل على» الهدف. فمثلا النص على أن الزراعة مقوم أساسى فى الاقتصاد لا يضمن للفلاح ائتمانا يساعده فى تحمل تكاليف الزراعة، ولا يقيد بنك التنمية والائتمان الزراعى بحيث يتوقف عن ابتزاز الفلاحين بالحبس فى قضايا شيكات (وفقا للقانون واتفاقات حقوق الإنسان والشريعة لا يجوز حبس المتعسر فى سداد الدين، ومع ذلك تكتظ سجوننا بفلاحين مديونين لجهاز حكومى أنشئ بغرض تطبيق مواد الدستور المعسولة عن «مقوم أساسى» للاقتصاد).

حتى أبسط الحقوق وأكثرها أصالة، «الحق فى الحياة»، لا يذكر صراحة فى دستورنا. يقول الإعلان العالمى لحقوق الإنسان: «لكل فرد الحق فى الحياة والحرية وسلامة شخصه»، وفيما تلى هذا الإعلان من مواثيق وعهود ــ بما فيها الميثاق العربى لحقوق الإنسان ــ نجد: «الحق فى الحياة حق ملازم لكل شخص» ــ لكنه لا يذكر صراحة فى دستورنا المقترح.

نعرف بالطبع أن إغفال ذكر «الحق فى الحياة» لا يعنى أن للدولة الحق فى قتل المواطن، فالقتل مجرم فى المسودة، لكن الفارق فى النص على «الحق» صراحة أنه يجعل للدولة مسئولية أكبر عن من يهدر حقه فى الحياة بسبب إهمال حكومى أو إخفاق فى تقديم الرعاية الصحية، ويفتح النص على الحق صراحة الباب لمحاسبة قوات الشرطة عند إزهاقها أى روح، ولا يسهل (دستوريا على الأقل) تبرير القتل بأن القتيل «قاوم السلطات» أو بأنه «مسجل خطر». يؤدى النص على «الحق فى الحياة»، مثلا، إلى اعتبار ندرة الحضانات المجهزة فى المستشفيات جريمة فى حق الجنين وليس فقط الأم، إلى آخر الممارسات التى صار الكل يعرفها والتى تعبر عن عدم اهتمام الدولة بحياة المواطن.

العرف فى الدساتير الحديثة أن ينص على الحقوق الأساسية صراحة كل حق فى مادة منفصلة، ويرفق بالحق الأساسى الحقوق المتفرعة منه، متبوعة بجميع الالتزامات السلبية (أى القيود الصريحة على الدولة حتى لا تنتهك هذا الحق) ثم بالالتزامات الإيجابية (أى الإجراءات الضامنة لتحقيق الحق).

ثانيا ــ السياق الزمنى:

لم يتوقف الزمن عام ١٩٧١، وبالتأكيد لم يتوقف تطور المجتمع البشرى ــ وبالذات مع تطور التقنية. ومع ذلك عندما قررت اللجنة التأسيسية إبداع باب جديد فى الدستور للمؤسسات الرقابية والمستقلة أهملت ذكر ما استحدث من مؤسسات ــ وعلى رأسها مرفق الاتصالات الذى لا يقل أهمية ولا خطورة عن البنك المركزى.

الدستور فى وضعه الحالى يسمح بإلغاء مرفق الاتصالات، وجعل قرار تنظيم القطاع فى يد السيد الرئيس أو رئيس وزارته أو حتى وزير الاتصالات بلا رقيب ولا حسيب، بينما كنا نأمل أن تبدع اللجنة وتدرك أن الاتصالات ــ وخصوصا شبكة الإنترنت ــ صارت أكبر من مجرد تقنية أو سوق، وإنما هى مورد أساسى، وبنية تحتية ضرورية، وحق منفرد بذاته، علاقتها بالمعرفة مثلها مثل علاقة شبكة الطرق والمواصلات بحرية التنقل وتنمية الاقتصاد.

إغفال (أو عدم إدراك) أعضاء التأسيسية لتطور المجتمع الإنسانى انعكس فى تجاهل مخاطر مستجدة لم تواجه كاتبى دساتيرنا القديمة. تنص المسودة على التزام الدولة بتنمية وحماية الأصناف النباتية، وهو أكيد أمر محمود، لكنها أهملت التعامل مع ما يواجهه الفلاح اليوم من إغراق للسوق بأصناف معدلة جينيا تعديلات لا تحسن جودة المنتج وإنما تحسن فرص الشركات الدولية العملاقة فى تعاظم الربح. والحقيقة أن تلك الأصناف المعدلة تهدد الأصناف المحلية بالانقراض. كما تجاهلت المسودة أن قواعد ملكية فكرية مجحفة، تطبق الآن على الجينات. وتهدد تلك القواعد تراثنا الزراعى والحيوى. يفاقم هذه المخاطر تقاعس الدولة عن دورها فى توثيق وحماية الأصناف المحلية، وتمويل تطويرها. وقد أدى هذا، مثلا، إلى لجوء المركز القومى للبحوث الزراعية اضطر لشركات أجنبية لتمويل دراسات عن أصناف زراعية مصرية، وفى النهاية تحتفظ الشركة بملكية نتائج الأبحاث، ومن ضمنها الحق الحصرى فى تصنيع التقاوى والبذور.

لو انتبهت اللجنة لأصوات العلماء والفلاحين ونشطاء البيئة لربما أبدعت لنا مواد دستورية غير مسبوقة، تجرم تصنيع واستيراد البذور العقيمة التى تُخضِع الفلاح لسلطان الشركات الدولية أو تنص على إنشاء هيئة منوطة بدراسة وتوثيق وحماية وتطوير الأصناف المحلية وتحدد لها نسبة من الميزانية تضمن ألا يتحول علماؤنا إلى أُجَراء عند ذات الشركات. أو ربما، بدلا من انشغال اللجنة بموقف الشريعة من زواج القصر، كانت نقلت لنا موقف الشريعة من أن يسمح لشركات بامتلاك فصائل حية بأكملها ملكية تفوق ملكية الفلاح لأرضه وما زرع فيها وما حصد.

حتى الحقوق المتعارف عليها تحتاج الآن إلى التنبه والتطوير بسبب تطور التقنية. تنص المسودة بالفعل على احترام حرمة البيوت والمراسلات، وبلغة محكمة بما يكفى. لكن فاتها أن تنص على وجوب تنظيم ما يسمى بـ «الاحتفاظ بالبيانات». فمثلا شركات المحمول تحتفظ بسجلات تفصيلية عن تحركات المشترك بناء على اتصال الهاتف المحمول الدائم بأبراج الاتصال. يمكن بناء على تلك السجلات تحديد الموقع الجغرافى للمشترك فى أى وقت ــ بما فيها فى الماضى البعيد ــ بدقة عالية تصل لعشرات الأمتار. لا يملك المواطن أمام هذه القدرة المرعبة على متابعته أى حماية تشريعية؛ فلا ضابط للمعلومات التى يمكن للشركة الاحتفاظ بها، ولا ضابط للمدة الزمنية المسموح لها الاحتفاظ بها (هل تملك الشركة سجل بتحركاتى للعشرة سنوات الماضية؟) ولا قواعد لمن يحق له الاطلاع على تلك البيانات، هل تبيعها الشركة لشركات دعاية وإعلان، مثلا؟ هل تسلمها للأمن الوطنى بمجرد الطلب أم تشترط أمر قضائى؟

لن يتوقف التطور بعد صياغة الدستور، وليس من الممكن مواكبة كل جديد، ولكن حين تستحدث مشكلات وينتشر الوعى بها فتصبح مادة لبرامج التوك شو بل والأفلام الروائية ناهيك عن الأبحاث والدراسات ــ فمن الطبيعى أن نتوقع أن ينعكس هذا فى دستور يكتب اليوم.

ثالثا ــ السياق المحلى:

لو قرأت دستور إيطاليا المكتوب فى عام ١٩٤٦، سيتبين لك قلق واضعيه من عودة الفاشية، وبالمثل دستور جنوب افريقيا المكتوب عام ١٩٩٦ تهيمن عليه معالجة آثار نظام الفصل العنصرى. الدساتير الحديثة بنات خبرات ونضالات شعوبها، والدساتير المكتوبة بعد الثورات تعكس أسباب قيام الثورة وهموم الثوار

فهل يعقل أن دستورا يكتب بعد اندلاع الثورة المصرية لا يذكر حتى كلمة تعذيب؟ دستور ١٩٧١ نص على أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم، لكن كاتبه ترك تعريف جريمة التعذيب للقانون، فتحايل ترزية النظام وفصلوا قوانين تجعل أغلب ممارسات الداخلية ــ حتى القاتلة منها ــ تبدو لمحاكمنا وكأنها مجرد تجاوزات بسيطة، فيحكم القاضى بـ«القتل الخطأ» أو «ضرب أفضى إلى موت» فى قضايا تستدعى الإطاحة بإدارات أمنية كاملة. الحد الأدنى المنطقى لدستور ثورتنا هو النص على تعريف للتعذيب متوافق مع تعريف الاتفاقية الدولية لمناهضته مع العلم بأن طموحات الجماهير أوسع من هذا.

من يقرأ دستورا كتب بعد أحداث ماسبيرو يتوقع أن يرى مادة تجرم مواجهة المواطنين بالجيش، وتحمى الجندى الذى يرفض تنفيذ أوامر إجرامية. من يقرأ دستورا كتب بعد محاكمة المخلوع (التى أفلت من القصاص فيها الجميع إلا من نص الدستور صراحة على مسئوليته) يبحث عن صياغة دستورية تدين كل تسلسل القيادة فى حال ارتكاب جرائم ضد المواطنين، بحيث يُدان القناص وقائده ومديره ووزيره ورئيسه وكل من كان بيده وقف تنفيذ الأوامر ولم يوقفها.

من يكتب دستورا لمصر الشابة التى انتفضت ضد دولة العواجيز، كان سينتبه لمقترحات الجماهير بمادة دستورية توحد سن المعاش وتطبقه بصرامة (ووقتها كان الرئيس تخلص من النائب العام ومن هم على شاكلته بلا حرج ولا هرج).

كيف ينشغل من يكتب الدستور اليوم بزواج القاصرات فى حين أن المشكلة الكبرى التى تواجه الأسرة المصرية هى تأخر سن الزواج لضيق الحالة الاقتصادية؟ بأى منطق ينشغل من يكتب الدستور اليوم بالتأكد من حماية الدولة من خطر ممارسة المواطنين لحريات قد تتعارض مع العادات والتقاليد، بينما المشكلة الكبرى التى تواجهنا هى دولة اعتادت اغتصاب المواطنين فى أقسام الشرطة.

رابعا ــ العلانية:

من أعجب ما مر بنا، فى مسارنا الدستورى المتعرج، الطبيعة شبه السرية لمداولات لجان التأسيسية. اجتماعات اللجان الفرعية لا تبث ومحاضر اجتماعات اللجان ومضابطها لا تنشر. يحاول المواطن ــ فى غياب أى وسيلة رسمية ــ فهم ما يدور فى اللجان من خلال تراشق الأعضاء فى البرامج الحوارية، فيشخط رئيس التأسيسية فى الأعضاء آمرا إياهم أن يأتوا بخلافاتهم إلى مكتبه بدلا من الإعلام.

وفى كل مرة ترتفع الأصوات معترضة على مادة تسربت هنا أو هناك جاء الرد بإنكار تداول تلك المادة، ولاحقا يتضح أن الإنكار كاذب فيقال لنا أنها مجرد مقترح. ألا يحق لنا أن نعرف كل المقترحات ومن طرحها ومن اعترض عليها ومنطق من اقترح وأسباب من اعترض؟ ألا يحق لنا فهم ما يجرى فى كواليس كتابة دستورنا، وتقييم الأعضاء وأحزابهم وجماعاتهم سياسيا؟ من الذى تجاهل مقترحات المواطنين ومن الذى انتصر لها؟ من يقول فى اللجان عكس ما يقوله فى الإعلام؟ ألا يحق لنا أن نعرف كيف وصلنا إلى اقتباس مواد الوصاية العسكرية من وثيقة السلمى فى المسودة رغم تصدر جماعة الإخوان المسلمين ــ الحائزة على أغلبية التأسيسية ــ لمظاهرات الاعتراض على وثيقة السلمى؟

وصل الغموض لدرجة جعلت العلاقات الشخصية هى الطريق الوحيد الذى عرف من خلاله مواطن ما يأتى: أن العاملين فى رعاية أطفال الشوارع طالبوا بتجفيف أحد منابع الظاهرة الرئيسية، فتجاهلتهم تأسيسيتنا، بحجة أن دسترة حماية الأطفال من القلة القليلة من الآباء الغير أمينين على تربية أولادهم ــ لدرجة الانتهاك والأذى المتكرر ــ يمثل تعديا على الشريعة وعلى حق الآباء فى استخدام الضرب كوسيلة تربوية.

لكن السرية ليست مجرد أمر مزعج للمواطن المطلع ولا تنتهى عواقبها بانتهاء عمل التأسيسية، فتفسير الدستور بعد إقراره، من قبل المشرع والمحاكم، سيعتمد على الأعمال التحضيرية، والتى تشمل مضابط ومحاضر الاجتماعات المخفية عنا. كيف نضمن عدم التلاعب فى تلك المضابط والمحاضر، بحيث يتم تغيير معنى المواد الدستورية بعد الاستفتاء، ما لم تتح لنا متابعتها أولا بأول؟

أم أن المطلوب من المشرع والقاضى والموظف العام والمواطنين مقابلة السيد رئيس التأسيسية فى مكتبه كلما التبس علينا تفسير أحد الألفاظ الفضفاضة؟

أخيرا.. المشاركة المجتمعية:

تقدم حوالى عشرة آلاف مواطن لمخاطبة التأسيسية، من خلال مئات جلسات الاستماع، حاملين معهم فوق الثلاثين ألف مقترح، بالإضافة لمائة ألف مقترح أو أكثر وصلت إلى التأسيسية عبر صفحاتها على الإنترنت. كما تقدم مئات العاملين والمتطوعين بمنظمات المجتمع المدنى التنموية والحقوقية والخيرية، فى محاولة للتعبير عن طموحات وشكاوى الفئات الأقل تمثيلا كأطفال الشوارع وذوى الإعاقة.

عملت مجموعة من المتطوعين من الشباب الثورى على فرز كل تلك المقترحات، ورفع توصيات كاملة بمعايير صارمة، بحيث لا يرسل للتأسيسية مقترح إلا وكان على لسان آلاف المواطنين وعليه توافق من أغلبية من تواصل معهم. فى حال انقسام الآراء رفعت توصيات كاملة ببدائلها، لتختار منها اللجان ما تراه الأصلح، فمثلا رفع للجنة نظام الحكم مقترحين متكاملين للحكم المحلى على درجات مختلفة من عدم المركزية.

قطاع من الشعب صدق الدعوة للمشاركة فى كتابة الدستور، ذهبوا إلى اللجنة حاملين طموحات ومظالم، أحلام وآلام، وفقا لدعوة رسمية. واختارت التأسيسية أن تلقى بكل هذا جانبا وتستغل ثقة الجماهير فى تجميل صورتها فقط. نعرف هذا اليوم لأن الدكتورة سحر طلعت استقالت من التأسيسية، وذكرت من ضمن أسباب استقالتها «المسودة الأولية المكتملة لا ترقى لطموحات الشعب المصرى والتى ظهرت جلية من خلال مقترحاتهم المقدمة والتى تم تجاهلها».

لم يكتف أعضاء التأسيسية بتجاهل مقترحات الجماهير، بل وصل الأمر لأن يدعى عضو علنا أن غالبية المقترحات طالبت ببقاء مجلس الشورى! هذا كذب بين، والكل يعلم انه كذب بين، والعضو يعلم إننا نعلم انه كذب بين، فالمصريين ابهروا العالم بالعزوف عن المشاركة فى انتخابات الشورى. العجيب أن المسودة الحالية بها مواد انتقالية للرئيس ولمجلس النواب لكنها أهملت أن تنص صراحة على مصير مجلس الشورى الحالى، وكيفية تشكيل مجلس الشيوخ القادم. أظن من الواضح أن النية مبيتة للمحافظة على مجلس الشورى الحالى، كضمان فى حال تغيرت موازين القوى وخسرت جماعة الإخوان المسلمين أغلبيتها.

وبعكس أعضاء التأسيسية المبجلين، كان من تقدم من المواطنين إلى اللجنة بآلامه وأحلامه باله مشغول تماما بمصر الثورة. إليكم مثالا واحدا فقط: مادة قدمها للتأسيسية متطوعو لجنة التواصل المجتمعى:

«يجب أن تشمل الموازنة العامة للدولة، وحسابها الختامى، جميع مصادر الدخل والإنفاق دون استثناء، ويحظر وجود أى مصدر دخل أو إنفاق خاص بأى من مؤسسات الدولة خارج إطار الموازنة العامة للدولة وحسابها الختامى، وتكون الصناديق الخاصة وجميع مصادر الدخل والإنفاق خاضعة لرقابة الأجهزة الرقابية».

بهذه المادة البسيطة تبدأ أول خطوة فى حل مشكلتين من أكبر المشكلات التى شغلتنا فى السنوات الماضية: مشكلة الاقتصاد الموازى للمؤسسة العسكرية، ومشكلة الصناديق الخاصة. ترى لِمَ اختار الأعضاء تجاهلها؟

منذ اندلاع الثورة ونحن نرى نفس المشهد يتكرر: تنفتح أبواب التاريخ على وسعها أمام وجهائنا وحكمائنا، كل المطلوب منهم ــ ليمروا من خلالها وتخلد ذكراهم ــ خطوة، خطوة واحدة بسيطة تكفى، ومع ذلك فى كل مرة يصر من ساقه حظه لعتبة التاريخ أن يتكعبل ويخسف بأحلامنا الأرض. الخطوة سهلة. تواضعوا، تواضعوا واسمعوا من وضعوا ثقتهم فيكم، وحملوكم أمانة أحلامهم وآلامهم. والكعبلة أيضا سهلة: عليك فقط أن تقنع نفسك أن الهوان والخذلان بروتوكول.

لماذا رفضت دستور 2012: عسكرة الدولة

نشرت على فيس بوك بتاريخ 21 ديسمبر 2012، اعيد نشرها هنا بمناسبة تجدد الأمل في حظر المحاكمات العسكرية للمدنيين من خلال لجنة تعديل الدستور.


اولا المحاكمات العسكرية

مادة (197)

ينشأ مجلس للدفاع الوطنى، يتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويضم فى عضويته رئيس مجلس الوزراء، ورئيسى مجلسى النواب والشورى، ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. ويختص بالنظر فى الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة. ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى .ولرئيس الجمهورية أن يدعو من يرى من المختصين والخبراء لحضور اجتماع المجلس دون أن يكون لهم صوت معدود.

مادة (198)

القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل فى كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها. ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تضر بالقوات المسلحة؛ ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكرى الأخرى. وأعضاء القضاء العسكرى مستقلون، غير قابلين للعزل، ويكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء الجهات القضائية.

يصر مؤيدي الدستور على التهوين من خطورة السماح بمحاكمة المدنيين عسكريا بنص دستوري، مدعين ان قصر المحاكمات العسكرية للمدنيين على الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة في حد ذاته ضمانة. المحاكمات العسكرية اصلا ظلم، فهي مصممة لسرعة التقاضي بناء على ترتيب القيادة العسكرية، و الاتجاه في الديمقراطيات لالغائها حتى للعسكريين طالما ان المحاكم المدنية متاحة و قادرة على النظر في القضية، و ينحصر دور المحاكمات العسكرية في محاكمات الميدان للمخالفات العسكرية التي يرتكبها عسكريين وقت الحرب او خارج حدود البلاد مثلا. بالتالي محاكمة اي مدني امام محاكمة عسكرية حتى لو بتهمة اعتداء على رئيس الأركان ظلم، فلا يوجد ما يمنع ان يحاكم نفس المتهم بنفس التهم امام القضاء الجنائي. و بالفعل المسودة الأولى للدستور نصت صراحة على حظر محاكمة اي مدني امام محكمة عسكرية، تم التراجع عن هذا الموقف المنحاز للعدالة في عملية السلق الأخيرة حماية لمصالح المؤسسة العسكرية.

المادة 198 لا تغير من الوضع القائم بشيئ، فقانون القضاء العسكري الحالي متوافق معها بعد تعديله من قبل مجلس الشعب قبل حله، و قد تم بالفعل محاكمة عشرات المدنيين بناء على هذا القانون، المادة 198 تسمح بمحاكمة فلاحوا القرصاية لمجرد ان الجيش قرر ان يضع يده بلا وجه حق على ارض جزيرتهم و رفض او مقاومة قرار وضع اليد تتحول الي جريمة تضر بالقوات المسلحة. و بالطبع المسكوت عنه لكن المفهوم للجميع ان رغبة الجيش في ارض القرصاية لا علاقة لها بحماية البلاد بل هي طمعا في ارض ذات قيمة عالية بغرض استغلالها في مشاريع تنمية عقارية كبناء فنادق او منتجعات بدلا من زراعة الأرض. قبل النص على ان القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة كان القانون يعترف بطبيعة القضاء العسكري كاحد مكونات القوات المسلحة و بالتالي جهة تابعة لوزير الدفاع، اي جزء من السلطة التنفيذية، و كان بامكان المواطن الذي تعرض لظلم المحاكمات العسكرية ان يطعن في قرار احالته للمحكمة العسكرية امام محكمة القضاء الاداري (بالفعل تنظر محاكم مجلس الدولة دعاوي كهذه)، كما ان احد اهم الطعون التي كنا نتقدم بها هو عدم دستورية محاكمة المدنيين عسكريا، الآن بعد النص على استقلال القضاء العسكري (و هو استقلال زائف لأن الغرض منه هو وجود آلية لمحاسبة العسكريين تخضع للقيادة) يقفل باب الطعن امام مجلس الدولة او الدستورية.

يدعي المبررون ان هذه الثغرات يمكن اصلاحها بالقانون، لكنهم يتجاهلون المادة 197 التي تفرض على البرلمان اخذ رأي مجلس الدفاع في صياغة اي قوانين متعلقة بالقوات المسلحة (و تشمل بالطبع قانون القضاء العسكري و تحديد اي جرائم تخضع لاختصاص القضاء العسكري)، اي ان الجيش سيكون الخصم و الحكم و سيكتب القوانين ايضا. و ان ادعى احدهم ان رأي مجلس الدفاع استشاري فقط فالواقع يقول ان رأي حامل السلاح لا يكون استشاريا ما دمت مجبرا على استشارته، و الدليل هو جلسة سلق الدستور و مناقشة المادة 197 نفسها، ما يفوق 80 عضو مدني في مواجهة اللواء شاهين وحده، و عندما حاول البلتاجي تعديل تشكيل مجلس الدفاع شخط فيه اللواء بجملته الشهيرة "هتحط واحد هحط واحد" بمعنى لو اضفت مدني للمجلس ساضيف عسكري، اخرس اللواء شاهين البلتاجي و كافة اعضاء التأسيسية بل و رئيسها الذي سبق ان استنكر ان يعامل القضاء العسكري كهيئة قضائية مستقلة، فبالله عليكم كيف نتوقع ان يخرج البرلمان بتشريع يتعارض مع رغبة و مصالح الجيش حتى لو المصلحة فساد بين؟

و كل هذا لا يهم، فحتى لو شرب البرلمان بيريل و صاغوا قانون محكم يتحدى فساد المؤسسة العسكرية و يحصر محاكمة المدنيين عسكريا في اضيق الحدود، النص على استقلال القضاء العسكري يعني ان لو تجاوزت النيابة العسكرية حدود ذلك القانون سيكون الطعن بعدم الاختصاص امام المحكمة العسكرية. و يبقى تطبيق القانون خاضع لمزاج المؤسسة العسكرية بما انه الطعن امام المحاكم الأخرى مستحيل. اما اذا حدث العكس و اصدر البرلمان قانون معيب يسمح بالتوسع في المحاكمات العسكرية للمدنيين بما يخالف مواد اخرى في الدستور، فلا مفر للمواطن ايضا لأن الدفع بعدم دستورية القانون سيقدم امام القضاء العسكري لنفس الأسباب.

لا يتوقف ضرر المادة 198 على اهدار حقوق المدنيين في حال اتهامهم من قبل عسكريين، تهدر حقوقهم ايضا لو كانوا مجني عليهم، فالنص على ان القضاء العسكري يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة و ضباطها و افرادها يعني ان اي جريمة يرتكبها اي شخصية عسكرية حتى لو هي جريمة سرقة او اختلاس او اعتداء او تهرب من تنفيذ حكم نفقة تنظر امام القضاء العسكري. بالتالي محاكمة اعضاء المجلس العسكري على جرائمهم خاضعة لمزاج القضاء العسكري التابع لوزير الدفاع. و اخيرا تفتح الجملة الأخيرة و خصوصا النص على ان لاعضاء القضاء العسكري كافة واجبات اعضاء الهيئات القضائية الباب لمشاركة القضاة العسكريين في الاشراف على الانتخابات!!!

ثانيا استقلال المؤسسة العسكرية عن الرقابة

مادة (195)

وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة ، ويعين من بين ضباطها.

مادة (197)

ينشأ مجلس للدفاع الوطنى، يتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويضم فى عضويته رئيس مجلس الوزراء، ورئيسى مجلسى النواب والشورى، ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. ويختص بالنظر فى الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة. ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى. ولرئيس الجمهورية أن يدعو من يرى من المختصين والخبراء لحضور اجتماع المجلس دون أن يكون لهم صوت معدود.

ان يفرض الدستور ان يكون وزير الدفاع احد ضباط القوات المسلحة معناه صراحة ان يتفاوض الرئيس مع المؤسسة على من يرأسها و ان تبقى المؤسسة مستقلة عن الرئيس، و بما انها المؤسسة حاملة السلاح بالاضافة لقوتها الاقتصادية المبالغ فيها، تصير القوات المسلحة مؤسسة اقوى من الرئيس. المفروض ان القيادة الفنية للقوات المسلحة مسئولية رئيس الأركان و وزير الدفاع قيادة سياسية مثله مثل اي وزير آخر، و المفروض ان تعيين وزير سياسي تابع لرئيس الجمهورية المنتخب يضمن خضوع المؤسسة العسكرية حاملة السلاح للقيادة المدنية المنتخبة من ناحية و من ناحية اخرى ينهي السياسة عن مكتب الوزير و يحمي البلاد من تسييس المؤسسة العسكرية كلها. اضف الي هذا مادة مجلس الدفاع، دار جدلا كثيرا حول التوازن بين العسكريين و المدنيين في مجلس الدفاع، و في هذا الجدل مغالطتين، اولا احتساب وزير الداخلية و مدير المخابرات العامة كمدنيين، لكن الحقيقة انها مؤسسات امنية و في حسابات العلاقات المدنية العسكرية هم اقرب للعسكريين. و الأهم هو تجاهل ان اغلبية الاعضاء المدنيين وزراء و ليسوا من مناصب منتخبة.

تحتاج الديمقراطية لرقابة صارمة على كل السلطة التنفيذية، و المسئول عن تلك الرقابة بالأساس البرلمان (و يضاف اليه القضاء). السلطة التنفيذية قوامها الأساسي موظفين معينيين، و تملك التصرف في الميزانية و ادارة موارد الدولة. كما انها تملك و تدير السلاح (الجيش و الشرطة). السلطة التنفيذية هي السلطة الأقوى، و الاكثر تدخلا في حياة المواطنين اليومية، و بالتالي هي الأكثر قدرة على الأذى و الأكثر عرضة للفساد. كما ان السلطة التنفيذية متجانسة، على رأسها رئيس منتخب فقط، او ربما رئيس منتخب و رئيس وزراء من اختيار البرلمان، لا معارضة داخلية مثل البرلمان ولا هي مكونة مجلس متنوع و مداولاته علنية. لذا هي السلطة الأخطر التي تحتاج لرقابة دائمة و ضوابط تحكمها و تشكمها. الجانب المسلح من السلطة التنفيذية يتحاج ان يكون خاضع تماما للادارة المدنية و يحتاج لرقابة اكثر صرامة و قيود شديدة، فالسلاح ان وجه بشكل خاطئ ضاعت الحرية و الديمقراطية و الأمان و عم الفساد و القهر.

المادة 197 ترسخ لمجلس دفاع مسئول بشكل كامل عن كل ما يخص حاملي السلاح، و المسئولية حصرية، ففي الدستور لفظ يختص تعني بالضرورة يختص وحده، اي ان لا معقب عليه و لا رقيب غيره. المادة 197 تجعل القوات المسلحة و المخابرات العامة و اي شيئ آخر يمكن تصنيفه على انه جزء من وسائل تأمين البلاد و سلامتها غير خاضعة للرقابة البرلمانية. فالمجلس تشكيله كله عدا اثنان فقط من اعضائه من السلطة التنفيذية، ناهيك عن ان اغلبيتهم عسكريين او من مؤسسات امنية.

ثلاثة اعضاء مدنيين منتخبين فقط، و اثنان فقط من البرلمان، و غالبا رؤساء المجالس النيابية تكون شخصيات حزبية لا استقلالية لها و اكيد ليست من المعارضة، اي ان العسكريين و الأجهزة الأمنية خارج نطاق الرقابة و يشمل هذا الميزانية و ما يعنيه تحصينها من الرقابة من فساد و افساد، و المشورة في التشريع كما ذكرنا سابقا.

و طبعا اللغة الفضفاضة تسمح لمجلس الدفاع بالتدخل في اي شيئ و كل شيئ، فتاريخيا حجة "الأمن القومي لمصر" استخدمت لاقحام المؤسسة العسكرية و الأمنية في كل شيئ من توزيع اراضي الدولة لرغيف العيش و البحث العلمي.

اخيرا السخرة و اقتصاد الجيش

مادة (64)

العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. ولا يجوز فرض أى عمل جبرا إلا بمقتضى قانون. ويعمل الموظف العام فى خدمة الشعب، وتتيح الدولة الوظائف العامة للمواطنين على أساس الجدارة، دون محاباة أو وساطة، ومخالفة ذلك جريمة يعاقب عليها القانون. وتكفل الدولة حق كل عامل فى الأجر العادل والإجازات، والتقاعد والتأمين الاجتماعى، والرعاية الصحية، والحماية ضد مخاطر العمل، وتوافر شروط السلامة المهنية فى أماكن العمل؛ وفقا للقانون. ولا يجوز فصل العامل إلا فى الحالات المنصوص عليها فى القانون.والإضراب السلمى حق، وينظمه القانون.

تماديا في حماية مصالح الفساد في الجيش عدلت المادة الخاصة بالحق في العمل في اللحظات الأخيرة لتسمح بالعمل القسري و بقانون، و لم تنص حتى على حكر هذا في خدمة الوطن ولا ان يكون بمقابل عادل ولا اي ضوابط. حاول المبرراتية التغطية على جريمة دسترة السخرة بربط هذه المادة بالتجنيد و هو كذب فالتجنيد منصوص عليه بالفعل في المادة 7، و ادعى اخرون ان المادة مطلوبة لاستحداث عقوبات كخدمة المجتمع او الحبس مع الشغل، و هذا كذب ايضا فالاصل ان العقوبة هي تقييد لحرية و حرمان من حق، فالحبس حرمان من الحق في حرية الحركة و العمل و الخصوصية، و الاعدام حرمان من الحق في الحياة و مع ذلك لا توجد استثناءات في المواد المنظمة لتلك الحقوق.

الحقيقة واضحة كالشمس، تستغل مؤسستي الجيش و الشرطة التجنيد الاجباري لتشغيل فقراء الوطن بالسخرة، و السخرة المقنعة عندنا لها ثلاث اشكال، السخرة لصالح القيادة عندما يستغل ضابط ذا رتبة مرتفعة مجند في خدمة في مكتبه او بيته، و السخرة في مشاريع الجيش الاقتصادية من مصانع مكرونة و سخانات و قاعات افراح و فنادق و محطات بنزين و غيرها من استثمارات امبراطورية الجيش الاقتصادية (و السخرة هنا اعتداء على حق المجند و اعتداء على السوق ايضا فمن يقدر على منافسة شركة تملك عمالة مسخرة؟)، و النوع الثالث هو استغلال التجنيد في اعمال الشرطة و خصوصا الأمن المركزي (و المشكلة هنا لا تتوقف عند انتهاك حق المجند، لولا التجنيد لما تمكنت الدولة من بناء جهاز شرطة قادر على قمع ملايين المصريين و حشد قوات امن مركزي تكفي لقمع مدينة بأكملها مثلما حدث مع المحلة في 2008 و مع السويس في مطلع الثورة).

مع دخول الثورة في صدام مع حكم العسكر ارتفعت لأول مرة اصوات منادية بانهاء الاقتصاد العسكري و انهاء السخرة، و بدأت بالفعل عملية مقاضاة ضباط على تسخير المجندين لخدمتهم، كما انطلقت حركة عمالية لأول مرة في المصانع الحربية. و لذا ظهر الاحتياج لدسترة و تقنين عملية السخرة لحمايتها من هجوم وشيك.

الحقيقة ان المواد الخاصة بالمؤسسة العسكرية كلها صيغت لتحمي و ترسخ الوضع القائم بكل ظلمه و فساده، و بدلا من ان يدعم الدستور الحركة الثورية صيغ ليجهضها.المواد 195 و 197 و 198 مجتمعة تجعل الجيش و معه المؤسسات الأمنية ليست فقط دولة داخل الدولة لا تسأل عن فسادها و اهمالها و انتهاكاتها، بل ترسخ لها كدولة فوق الدولة، ننتخب و نتداول السلطة كيفما نشاء و تشكل حكومات و تجتمع برلمانات و تكتب قوانين كل هذا في النهاية تابع و خاضع لاملاءات حاملي السلاح بدلا من ان يكون مدير و رقيب و ضابط و حاكم لحاملي السلاح.

بل وثائق عدة

نشرت بجريدة الشروق الجمعة 25 نوفمبر 2011

كتبت هذا المقال من محبسي كختام لثلاثية عن ما سمي بوثيقة السلمي و خطورتها، تأخر خروجه طويلا بعد كشفت ادارة السجن كيف كنت أهرب المقالات. وقت كتابته كان الجدال مازال مستمرا حول جدوى اقامة انتخابات. وقت نشره كانت معركة محمد محمود في ذروتها و الاحداث تخطت السجال حول الجمعية التأسيسية و الدستور.

المقال عبارة عن سرد و تفصيل لمقترح توافقي قديم لكيفية تشكيل للجمعية التأسيسية

أعيد نشر المقال هنا كتعليق على قرارات مجلسي الشعب و الشورى فيما يخص معايير اختيار الجمعية التأسيسية. لكن أذكركم أيضا أن حتى لو اتفقنا على تمثيل توافقي مثالي لازلنا نمشي في مسار لصياغة الدستور يتجاهل و يتفادى مشاركة الجماهير.


هل نحتاج لوثائق توافقية تحدد ملامح الدستور القادم واللجنة التأسيسية التى ستقوم على صياغته؟

من يجيب بنعم عليه أن يوضح بالتفصيل لماذا وكيف، فالأصل فى الأمور أنه ما دام سينوب عن الشعب قلة لصياغة وثائق تشريعية فيجب أن يتم اختيار هذه القلة بالانتخاب. والأصل فى الأمور أيضا أن الهيئة التى تشرع ــ خصوصا لو كانت تأسيسية تضع دستورا ــ لا يفرض عليها قواعد ولا آليات عمل من خارجها وإنما تضع هى قواعد بنفسها.

وبالفعل هذا هو ما يحدث فى تونس: انتخب الشعب جمعية تأسيسية، ولها مطلق الحرية فى تحديد كيف ستعمل.

يدعى البعض أن ضرورة الاتفاق على معايير تنبع من بطلان فكرة أن يقوم البرلمان باختيار اللجنة التأسيسية، ولكن الواقع يقول إن أغلب دساتير العالم كتبتها برلمانات أو لجان اختارتها برلمانات. وطبعا أغلب دساتير العالم يمكن لبرلمانات تعديلها. وبالمقابل أغلب الجمعيات التأسيسية المنتخبة قامت بدور السلطة التشريعية المؤقتة.

أى أن قيام البرلمان باختيار اللجنة التأسيسية ليس بالأمر الشاذ. أين المشكلة إذن؟

يقولون المشكلة هى فى خطر انفراد أغلبية بكتابة الدستور، فالدستور يجب أن يكون توافقيا. وهذا كلام فيه وجاهه.

ولكن من ينادى بالتوافق يطلق كلاما مرسلا، فالتوصل لتوافق بين قوى وكيانات سياسية يحتاج للإجابة عن ثلاثة أسئلة.

أولا: من القوى الممثلة فى عملية التوافق؟

هل للأحزاب المنبثقة عن الحزب الوطنى المنحل مكان فى هذا التوافق؟ هل تشارك كل أحزاب السلفيين أم حزب النور فقط؟ هل تشارك كل مشاريع الأحزاب أم المشهرة فقط؟ ماذا عن القوى الثورية؟ هل كل الائتلافات سواء؟

ثانيا: ما هو الوزن النسبى لكل فصيل سياسى؟

هل يتساوى الجميع مثلا؟ أم توزع مقاعد حسب حجم القاعدة الشعبية لكل فصيل؟ وهل توزع على أساس تقسيم تيارات واسعة فنقول عدد كذا من المقاعد للإسلاميين؟ أم توزع بشكل أكثر تفصيلا فنقول هذه مقاعد الإخوان وهذه مقاعد السلفيين؟ أم توزع على كل كيان حزبى فيصير لكل حزب من أحزاب السلفيين حصة؟

ثالثا: من يمثل كل فصيل؟

كيف سيتم اختيار ممثلى كل كتلة فى هذا التوافق؟ هل تختارهم هيئات حزبية عليا مثلا؟ من يحدد إذا كان مرتضى منصور، مثلا، يحق له المشاركة أم لا؟

لا أفهم دعوة للتوافق لا تجيب عن تلك الأسئلة ولا أرى طريقة للإجابة عنها غير الانتخابات. فالشعب، حين ينتخب، سوف يحدد القوى التى تعبر عنه ويحق لها المشاركة فى صياغة التوافق، وسيتحدد وزن كل فصيل بمقدار ما حقق من مكاسب فى الانتخابات. ثم ينتخب هؤلاء الذين أنابهم الشعب عنه من يمثلهم فى اللجنة التأسيسية.

عدا هذا يكون الكلام فعلا عن وصاية، وغالبا سينتج عنه مهزلة شبيهة بدعوة ائتلافات الثورة للقاء المجلس العسكرى بالفاكس.

ولكن من ينادى بالانتخابات أيضا يقع فى زلة الحق الذى يراد به باطل حين يتحدث عن أغلبية تصيغ الدستور. بل والآن ينادى التحالف الديمقراطى باختيار اللجنة عن طريق أغلبية بسيطة لا ثلثَىّ البرلمان! هل يعقل أن يتم تجاهل ٤٩٪ من الناخبين أثناء صياغة الدستور؟

لذا أرى أننا بالفعل نحتاج لمعايير لاختيار اللجنة لضمان أن تكون لجنة توافقية، وقد ساهمت سابقا ــ أثناء محاولة من ضمن محاولات عديدة لتوحيد النخب السياسية باءت كلها بالفشل ــ بصياغة مقترح لتشكيل الجمعية التأسيسية، من هذا المنطلق أكاد أجزم بأن وثيقة السلمى اقتبست من مقترحى بعد تشويهه، لذا أعيد طرحه هنا.

اقترحت أن توزع نصف مقاعد اللجنة التأسيسية على الكتل الحزبية الممثلة فى البرلمان بنفس أوزانها: فمن حصل على ١٠٪ من البرلمان يحصل على ١٠٪ من المقاعد الخمسين فى اللجنة.

ونظرا لصغر حجم لجنة صياغة الدستور مقارنة بالبرلمان سوف يستحيل أن تعكس اللجنة تشكيل البرلمان بدقة، لذا اخترت فى مقترحى الانحياز للتنوع والتوافق على حساب انضباط النسب. ومن هنا جاءت فكرة أن الحد الأدنى لكل كتلة هو مقعد واحد (ليس المقصود أنه كان يمكن مشاركة حزب بنصف مقعد، وإنما المقصود أنه حتى لو فاز حزب بمقعد واحد فقط فى البرلمان يحق له مقعد فى اللجنة)، وتوزع المقاعد على الكتل الأصغر فالأكبر وبحد أقصى عشرين مقعدا، وطبعا ينتخب نواب البرلمان من يمثلهم.

اقتبست وثيقة السلمى مقترحى ولكن فرغته من معناه، فقَصْر التمثيل النسبى للكتل الانتخابية على خُمْس بدلا من نصف اللجنة، وتحديد الحد الأقصى بخمسة مقاعد فقط، يلغى تماما الفرق بين من فاز بثلث البرلمان ومن فاز بمقعدين، ويُحَوِّل المسألة من محاولة لخلق توافق بدون التعدى على اختيارات الشعب إلى تمثيل مشرف والسلام.

كما قلت: الأصل هو أن ينوب عن الناس منتخبون، لذا من ينادى بإدخال أعضاء من خارج البرلمان فى لجنة إعداد الدستور يطلب أمرا استثنائيا وعليه أن يشرح لماذا يطلبه. أغلب من نادى بتوزيع مقاعد على هيئات أو مؤسسات مختلفة بَنَى اقتراحه على عدم أهلية الناخب المصرى.

أما اقتراحى بحصر الكتل البرلمانية فى نصف اللجنة فقط فمبنى على قناعتى بعدم أهلية الأحزاب لا الناخبين. فالأحزاب للأسف يهيمن عليها شخصيات نخبوية، أغلبهم من كبار السن، أثبتوا قصور خيالهم، وانفصالهم عن الواقع، والشارع. الناخب كامل الأهلية، ولا يحق لأحد الوصاية عليه ولكنه يختار من المتاح، والمتاح شحيح.

لذا اقترحت أن تخصص باقى مقاعد اللجنة لممثلين لنقابات عمالية مستقلة واتحادات فلاحين ونقابات مهنية ولجان الثورة الشعبية وائتلافات شباب الثورة والمشتغلين بالقانون والمشتغلين بحقوق الإنسان والفنانين والمبدعين والصحفيين والإعلاميين والمعاقين وغيرها من فئات شعبنا المختلفة.

ولكن: من يحدد ممثلى تلك الفئات؟ هل نجعل نقابة الأطباء وصية على الشعب كله باختيارها ممثل لها؟ ماذا عن الفئات الفضفاضة مثل ائتلافات الثورة؟ لا مفر من العودة للبرلمان إذا، وهنا المنطقى الالتزام بالأغلبية ولتكن أغلبية الثُلثين، فيفرض على اللجنة تنوع خلاق يدعم التوافق، لكن تحترم إرادة الشعب وتُعوِّض الأغلبية أى نقص فى حصتها من النصف الحزبى من اللجنة.

وبما أنه معروف عن نخبنا السياسية مركزيتها وانغلاقها على نفسها، اقترحت أن يكون التمثيل فى مجمله يشمل عضوا من كل محافظة مع رفع الحصة لعضوين فى حالة الجماعات ذات الخصوصية الثقافية (البدو والنوبة). وأن يكون ربع اللجنة على الأقل من الشباب وربع على الأقل من النساء.

وثيقة السلمى، بالمقارنة، خصصت ٨٠٪، لا النصف، لممثلى الهيئات وقلصت دور البرلمان فى أن يختار بين اثنين ترشحهم كل هيئة. أما الأخطر فى مقترح السلمى فهو اقتراح تمثيل هيئات رسمية ــ وأغلبها بالتعيين لا الانتخاب ــ بل وتخصيص عدد كبير من المقاعد لممثلى السلطة التنفيذية، بما فيهم الجيش والشرطة وممثلى السلطة القضائية.

وفى هذا قمة الوصاية: فالدستور والمجالس النيابية وجدت لتقويم أداء السلطات المعينة، ولحماية المواطن من بطشها واستبدادها، ويتساوى فى ذلك الشرطة والقضاء. ولا أعرف كيف يلتبس على دعاة الديمقراطية والليبرالية مفهوم الفصل بين السلطات بهذا الشكل. فبحُجَّة عدم حياد البرلمان فى قضايا مثل نسبة العمال والفلاحين نترك للقضاة تحديد اختصاص المحاكم وللعسكر تحديد شكل الدولة؟

تزامن هذا المقترح مع مقترحات لمبادئ دستورية تحدد الحد الأدنى للتوافق بين القوى السياسية. وكان الهدف منها هو طمأنة فريق الدستور أولا، حتى يتوافق الجميع على إقامة الانتخابات فى لحظة بدا فيها احتمال عدم إقامة الانتخابات قائم. أما وقد بدأت بالفعل ترتيبات الانتخابات، وبمشاركة أغلب القوى والأحزاب، انتفت أسباب صياغة مبادئ واحدة توافقية، بل أظننا الآن بحاجة لوثائق عدة.

فعلى كل تحالف انتخابى أن يصيغ وثيقة مبادئ تعبر عن خطته للدستور، وتكون بمثابة برنامج انتخابى يختار الناخب على أساسه ممثليه، ويحاسبهم إن حادوا عنه.

أما المشترك ما بين تلك الوثائق فسيدخل تلقائيا فى الدستور الجديد؛ فهو محل اتفاق بلا اجتماعات ولا لقاءات ولا ضغط فيه، والمختلف عليه سيكون محل الجدل والنقاش والتفاوض داخل اللجنة التأسيسية إلى أن نصل للتوافق.

نحتاج لوثائق عدة، ليس فقط من الأحزاب؛ فيجب على كل التنظيمات والكيانات الشعبية أن تتقدم بوثائقها ومبادئها وموادها المقترحة للدستور، تطرحها على الرأى العام أولا وعلى اللجنة التأسيسية ثانيا، فاللجنة تنوب عن الشعب فى التفاوض والصياغة، ولكن لا تنوب عنه فى الحوار والجدل والإبداع.

و بالفعل لدينا مبادرات، مثل «بردية المبادئ الدستورية لحماية حقوق الإنسان» التى اقترحها تجمع للمنظمات الحقوقية، ومسودة مادة عن دور ومكانة الثقافة قدمها ائتلاف المؤسسات الثقافية المستقلة، وغيرها، وغيرها.

لذا ذيلت مقترحى لتشكيل اللجنة بفقرة ــ لم تقتبسها وثيقة السلمى ــ عن آليات عمل اللجنة التأسيسية، تنص على علنية مداولاتها، وإقامة جلسات استماع علنية لمقترحات المواطنين، وآليات لاستقبال مقترحات من جميع الهيئات والتنظيمات خصوصا الشعبية.

هل سنتوافق على الخروج من نفق وثيقة السلمى لبراح الوثائق المتعددة؟ هل يمكننا أن نتخلى عن منطقى الوصاية والمغالبة لصالح ديمقراطية حقيقية؟ أم سنظل سجناء صراعاتنا النخبوية حتى نصطدم بدستور صاغه حفنة من اللواءات بمشاركة بعض القضاة لزوم الواجهة المدنية؟

مقترح توافقي لتشكيل الجمعية التأسيسية

لمدة شهر كامل انخرتط في محاولة أقل ما يقال عنها أنها فاشلة لتوفيق القوى و النخب السياسية في مصر و اقناعهم بضرورة التحرك بسرعة في انتخاب سلطات و انهاء الخلافات على الدستور لتفادى خطر الحكم العسكري و التدخل الأجنبي.

في تقديري أغلب القوى السياسية و خصوصا الحزبية و النخب السياسية أثبتت أنها لا تؤمن بالثورة بالمرة و تتعامل مع الحكم العسكري كواقع لا فرار منه و مركزة فقط في تحسين أوضاعها و بعضها يلهث وراء صفقات، و كلها مسيطر عليها جيل عواجيز بيحاول يفضل في الصورة و خايف الشباب يشيله و هو بيشيل النظام.

يعني المهم المقترح ده دلوقتي غالبا ملوش معنى، بنشره هنا عشان أوضح بس أن المشاكل اللي بتصدر لنا على أنها أسباب الخلاف لها حلول سهلة.


مقدمة

أهم ما يقلق من يرفض قيام البرلمان باختيار الجمعية التأسيسية هو عدم ملائمة منطق الأغلبية على عملية صياغة الدستور، و هو قلق في محله، و لكن يمكن حله بسهولة بدون الاحتياج للتخلي عن ترتيبات الفترة الانتقالية المنصوص عليها بالاعلان الدستوري ان توافقت القوى الوطنية على أن تشكل الجمعية التأسيسية بتمثيل نسبي لكل الكتل الحزبية في البرلمان.

الواقع أن صياغة البرلمانات للدساتير أمر دارج و نسبة كبيرة من دساتير أوروبا صاغتها برلمانات لكن دائما ما كانت تعتمد على مبدأ التمثيل النسبي لكل الأحزاب. نظرا لعدم نضج مشاريعنا الحزبية يفضل تفادي المغالبة بوضع حد أقصى للتمثيل في الجمعية التأسيسية للكتلة الواحدة، فان حصل حزب على الأغلبية يحصل فقط على هذا الحد الأقصى. و هكذا يتم اقصاء أي أجزاب متطرفة لم تعرها الجماهير اهتمام و يعطي للناخب فرصة في التأثير على تشكيل الجمعية في حدود لا تدفع بمصالح فصيل واحد على حساب الباقي.

أما ثاني مصدر للقلق فهو احتمال تغليب السلطة التشريعية على باقي السلطات نظرا لتمثيل الجمعية التأسيسية لمصالح البرلمان، نقترح أن تتوافق القوى الوطنية على حصر الكتل الانتخابية في نصف كراسي الجمعية التاسيسية و تعيين النصف الآخر لأعضاء غير حزبيين من خارج البرلمان ممثلين لكافة فئات الشعب بحصص محددة. يمكن تزكية مرشحين من مؤسسات المجتمع المدني و التنظيمات الشعبية المعنية لكن القرار النهائي يكون لأغلبية الثلثين من البرلمان.

أخيرا انفتاح الجمعية التأسيسية على الشعب و مجتمعه المدني في عملها يضمن توازن أكثر في الدستور و عدم اهمال أي تفاصيل قد تفوت الخبراء و البرلمانيين.

نظن أن ذلك الاقتراح كاف لتهدئة مخاوف فريق الدستور أولا و بدون التعارض مع الاعلان الدستوري ولا التقليل من دور نواب الشعب المنتخبين. كل المطلوب هو التوافق على المبدأ و التناقش في تفاصيل المقترح المدرجة أدناه، و التعاهد على أن اصدار قانون متضمن طريقة و معايير اختيار الجمعية التأسيسية و آليات عملها فور انعقاد المجلسين و بأغلبية ثلثي الأعضاء المنتخبين، على أن يقوم المجلس العسكري بالتصديق على القانون و نشره في الجريدة الرسمية.

المقترح بالتفصيل:

أولا الكتل البرلمانية:

يوزع 50 مقعد من مقاعد الجمعية التأسيسية (النصف) على الكتل البرلمانية المختلفة بحسب نسبة تمثيلها في المجلسين، و تكون كل كتلة مسئولة عن اختيار ممثليها من داخل أو خارج البرلمان:

  • يعامل المستقلون ككتلة برلمانية موحدة.
  • توزع المقاعد على الكتل الأصغر أولا (شمولية التمثيل أهم من نسبيته).
  • الحد الأدنى لتمثيل أي كتلة مقعد واحد (أي ان كل الأحزاب ممثلة حتى و ان حصلت على مقعد واحد).
  • الحد الأقصى لتمثيل أي كتلة 20 مقعد (بسبب توزيع المقاعد على الكتل الأصغر أولا قد لا تصل أي كتلة للحد الأقصى).

ثانيا التمثيل الفئوي:

يوزع 50 مقعد من مقاعد الجمعية التأسيسية (النصف) على ممثلين غير حزبيين لكافة فئات المجتمع بحسب الحصص المنصوصة أدناه و بموافقة ثلثي الأعضاء المنتخبين للمجلسين:

  • اربعة مقاعد للمشتغلين بالقانون (أساتذة القانون بالجامعات، المحامين، القضاة)
  • اربعة مقاعد لصناع الرأي العام (اعلاميين، صحفيين، مدونيين، كتاب)
  • خمسة مقاعد للنقابات المهنية (يستثني منها المحامين ان مثلوا في حصة المشتغلين بالقانون)
  • خمسة مقاعد للنقابات العمالية المستقلة (يراعى تمثيل الصيادين و عمال المناجم لخصوصية أوضاعهم)
  • خمسة مقاعد للاتحادات الفلاحين المستقلة
  • اربعة مقاعد للفنانين و المبدعين
  • اربعة مقاعد للعلماء
  • اربعة مقاعد للمنظمات الحقوقية
  • خمسة لرجال الدين من كل الطوائف
  • اربعة مقاعد للجمعيات الأهلية المعنية بالتمنية أو البيئة
  • اربعة مقاعد للجان الشعبية الثورية
  • مقعدين لذوي الاحتياجات الخاصة

ثالثا التمثيل النسبي:

يراعى أن يخضع التشكيل الكامل (مائة مقعد) للجمعية التأسيسية لتمثيل نسبي لطوائف المجتمع المصري الأساسية بغض النظر عن كون المقاعد موزعة على أي فئة أو كتلة حزبية:

  • مقعد واحد على الأقل لكل محافظة
  • 25 مقعد على الأقل للنساء (تونس اعتمدت المناصفة، ربما يمكن رفع النسبة)
  • 25 مقعد على الأقل للشباب (تحت الأربعين)
  • 10 مقاعد على الأقل للمسيحيين
  • مقعدان لأهل النوبة
  • مقعدان لبدو سيناء
  • مقعدان لبدو الغرب (مطروح و الواحات)

رابعا قواعد عمل الجمعية التأسيسية:

تعالوا نكتب دستورنا في الميدان

أخبار مبادرة تعالوا نكتب دستورنا

أولا راجع الورقة التعريفية بالمبادرة http://www.manalaa.net/node/88049

التقدم في المبادرة بطيئ بسبب تسارع و تعاقب الاحداث، فبعد أنتهاء أول اجتماع للمتطوعين وجدنا أنفسنا في معركة 28 يونيو مع الأمن المركزي، و شارك بالفعل أغلب المتطوعين في حماية ميدان التحرير و اعتقل من بيننا لؤي نجاتي و حول للمحاكمة العسكرية (أخلى سبيله بعد أيام شاقة لكن لا تزال القضية قائمة).

استمرينا في الاجتماعات بجانب انخراطنا في أعمال التحضير لاعتصام التحرير و متابعة لؤي، و حددت بالفعل مجموعة العمل الميداني خطة لعمل تجربة محدودة، و على أساسها قامت مجموعة البحث بتجهيز نسخة أولية من استمارة الاستبيان و تعليمات للمتطوعين. http://groups.google.com/group/dostorna/browse_thread/thread/85503e1d0b28d40e

بالتوازي بدأت مجموعة التكنولوجيا بالعمل على موقع يسجل به المتطوعين و تجمع فيه اجابات المواطنين. بل و يسمح بالاجابة على الاستبيان مباشرة على الموقع خصوصا مع الاهتمام الواسع من قبل المصريين المقيمين في الخارج.

تمهيدا لاطلاق العمل الميداني تفضل رامي رزق الله مشكورا بعمل فيلم دعائي قصير يشرح الخطوط العريضة للمبادرة. (يمكن مشاهدة الفيلم على http://dostorna.net)

لكن الاعتصام فرض نفسه و انشغل أغلبنا بتفاصيل الحياة اليومية فيه و تعطلت التجربة الأولى.

اجتمعت مجموعة العمل الميداني أمس (الأحد 17 يوليو) و قررنا تعديل الخطة بحيث يبدأ العمل الميداني و أول تجربة لجمع الحلم في ميادين الاعتصامات، و قررنا أن تكون أول تجربة اليوم بميدان التحرير.

سنجتمع بالراغبين في التطوع الساعة 11 مساء عند مدخل جراج عمر مكرم، لشرح المبادرة و آليات العمل و توزيع الاستبيان، بعدها ينطلق المتطوعين في أرجاء الميدان لجمع اجابات المعتصمين حتى الفجر.

في نفس الوقت سيتواجد ممثل للمبادرة بخيمة اللجنة التنسيقية للحقوق و الحريات العمالية (خلف تمثال عمر مكرم) للاجابة عن أسئلة المعتصمين عن المبادرة و تسلم الاستمارات و التواصل مع المتطوعين.

ستكرر التجربة غدا (الثلثاء 19 يوليو) و سيكون اجتماع المتطوعين الساعة 8 مساء في نفس المكان.

دعوة للاجتماع التأسيسي لمبادرة تعالوا نكتب دستورنا

مبادرة تعالوا نكتب دستورنا

دعوة لحضور الاجتماع التأسيسي للجان الادارية للمبادرة يوم الثلثاء 28 يونيو الساعة 6 مساء في نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت بوسط البلد، القاهرة.

الشعب عمل ثورة عظيمة وأسقط النظام الفاسد وابتدا الحلم :
عيش، حرية، عدالة اجتماعية
عيش، حرية، كرامة انسانية

ودلوقتي إحنا قدام مهمة تشكيل وتكوين مصر اللي بنحلم بيها
تفتكر نسيب الخبراء والمثقفين والسياسيين يحلمولنا وإحنا نفضل ساكتين ؟ ليه هو إحنا منعرفش نحلم ؟

عشان كده كانت مبادرة "تعالوا نكتب دستورنا"، مبادرة شعبية مستقلة، مش معنية بالجدل اللي إحنا فيه اليومين دول ، هي ببساطه جمع الحلم من من الشعب، ومناقشته عشان يطلع منه دستور يناسبنا.

وطبعا إحنا بنأكد على إن الانتخابات هى أفضل وسيلة تعبر عن اللي إحنا عايزينه، لكن الحلم، والتوافق، ووضع الأهداف، حق ومسؤولية الشعب الثائر كله مش بس أعضاء مجلس الشعب المنتخبين واللجنة التأسيسية .

الدستور أهم عقد ما بينا في جمهورية ما بعد الثورة: يرسم الحد الأدنى من الحقوق والحريات، ويكون ملامح العقد الاجتماعي ما بين المواطن والدولة، ويقرر التزامات الدولة - وبالذات فيما يخص العدالة الاجتماعية، و ينظم العلاقة ما بين السلطات، ويضبط توازنها.

اللي بنتصوره هنا، وببساطة هو إننا نحاول نوجد وثيقة شعبية تعبر عن طموحاتنا وأحلامنا المشتركة، تنور الطريق للجمعية التأسيسسة، اللي هتكون مهمتها إنها تحط الدستور وتصيغه.

كتابة الدستور مش عملية مقدسة عشان يختص بيها ناس معينين ولا هي عايزة مواصفات في الشخص اللي بيكتبه غير إنه يعبر عن طموحاتنا ، ومحدش هيعرف يعبر عننا أكتر مننا إحنا ، لا فلان ولا علان ، إحنا وبس . وأظن إنك عشان تقول اللي إنت عايزة مش محتاج واسطة ولا لسان غير لسانك يتكلم عن ظروفك وإحتياجاتك .

ومشاركة الناس في كتابة دستورهم هي القوة اللي بتحميه بعد كده من أي حد أو أي سلطة إنها تخالفه أو تعتدي على اللي ورد فيه من حقوق وإلتزامات وواجبات . وإحنا شفنا قد إيه كان دستور 1971 مليان مواد تحمي الحريات والحقوق بس مع ذلك ممنعتش مع التعذيب لكن اللي يمنع ده توافق الشعب وكتابته للدستور بنفسه.

لو عاوز أو عاوزة تشاركونا حلمنا وتساعدوا فيه عندنا اجتماع يوم الثلاثاء 28 يونيه الساعة 6 مساءاً في نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت – وسط البلد علشان نقسم نفسنا فى مجموعات اللى بيعرف يسمع أحلام الناس وبيعرف يتواصل معاهم يدخل مجموعة المناقشات والعمل الجماهري واللى ليه فى البحث ينضم لمجموعة البحث واللى بيفهم فى توظيف التكنولوجيا والتقنيات يدخل المجموعة بتاعتهم.

المجموعات دي هترتب و تدير المبادرة، لكن اللي هينزل الشوارع و الحواري و القرى يسأل أهالينا بيحلموا بمصر شكلها ايه هيبقى عشرات الألاف من المتطوعين.

يا ريت اللي مهتم يقرأ الوصف التفصيلي للمبادرة و يشرفنا في الاجتماع و ينضم لصفحة المبادرة و ينشر الرسالة دي في كل حتة.

مسودة جدول أعمال الاجتماع

ورقة تعريفية بمبادرة تعالوا نكتب دستورنا

تعالوا نكتب دستورنا

ثار الشعب، وسقط النظام، وارتفع سقف الحلم‫:‬
عيش، حرية، عدالة اجتماعية
عيش، حرية، كرامة انسانية

والآن، أمامنا مهمة توصيف وتشكيل مصر التي نحلم بها‫.
‬ هل نترك المهمة للنخب والخبراء؟
هل اجتماع بعض الأحزاب يُعَبِّر حقا عن الوفاق الوطني؟
هل نقاشات الغرف المغلقة بديل لحوار شعبي؟

مبادرة "تعالوا نكتب دستورنا"، مبادرة شعبية مستقلة، ولدت في حضن الثورة، ويشارك فيها مصريون من كافة الخلفيات والاتجاهات. وهي غير معنية بالجدل الدائر حول ترتيبات الفترة الانتقالية، وإنما تعمل على جمع الحلم من منابعه الشعبية، وإدارة نقاشات مع كافة طوائف الشعب عن الأسئلة الدستورية.

blog posts: 

من يكتب الدستور

نشرت في جريدة الشروق بتاريخ 10 يونيو 2011

26 يونيو 1955، كليب تاون، بالقرب من جوهانسبرج: تجمع الآلاف في ساحة أشبه بميادين تحريرنا، وافترشوا الأرض للمشاركة في "مؤتمر الشعب" والتصويت على بنود "ميثاق الحرية"؛ منصة يعتليها ثائر يقرأ مواد الميثاق بلغة شعرية، وميدان عامر حاشد يهدر بهتاف "أفريقيا!أفريقيا!". طوال يومان عاشت كليب تاون أهم تجربة ديمقراطية في التاريخ، قبل أن تقمعها قوات شرطة الفصل العنصري. ولكن الشرطة كعادتها جاءت متأخرة عاجزة عن قمع الحرية، وتم إقرار الميثاق الذي صار دستور حركة التحرر، ليصبح بعدها بأربعة عقود المرجعية الأساسية لصياغة دستور جنوب أفريقيا الحرة.

نحن، شعب جنوب أفريقيا، نعلن للأمة ولسائر شعوب العالم أن:

  • السلطة للشعب
  • لكل طوائف الشعب حقوق متساوية
  • ثروات البلاد ملك للشعب
  • سيتشارك في الأرض من يزرعها
  • الكل متساو أمام القانون
  • للكل حقوق متساوية، وهي المعروفة بحقوق الإنسان
  • سيتوفر العمل والأمان
  • ستفتح أبواب العلم والثقافة
  • سيتوفر المسكن والأمن والراحة
  • سيعم السلام والصداقة

هذه الحريات سنناضل من أجلها، كتفا إلى كتف، طوال حياتنا، إلى أن ننال حريتنا كاملة.

نص الميثاق كاملا

لم تكتب المنصة تلك المواد، لم يتحدث الآلاف في الميدان باسم الشعب من العدم، وإنما سبق المؤتمر شهور من الإعداد، انتشر فيها حوالي خمسين ألف متطوع بطول وعرض البلاد لسؤال كل من قابلوه سؤال بسيط جدا: "ما هي جنوب أفريقيا التي تحلم بها؟". جمع المتطوعون الإجابات وأرسلوها للجان منتخبة من كل منطقة لتفرز الإجابات وتجميع المتشابه منها في عريضة مطالب. ثم رفعت اللجان الفرعية المطالب للجان منتخبة أخرى تمثل المحافظات لتلخيص المطالب ورفعها للجنة صياغة. حضر المؤتمر كل أعضاء اللجان المنتخبة وممثلو النقابات العمالية والأحزاب الثورية والتنظيمات الشعبية الأخرى. شارك الشعب كله في صياغة الميثاق وبالتالي في صياغة الدستور.

بدأت الفكرة أصلا عندما وجد حزب المؤتمر الأفريقي (حزب مانديلا) نفسه في مأزق. فبعد تراجع ملحوظ في المشاركة في النضال ضد سياسة الفصل العنصري، قررت قيادات الحزب الشابة أن توسع رقعة النضال بتبني قضايا اقتصادية واجتماعية، وبدأوا بحملة لإقرار حد أدنى عادل للأجور. ولكن سرعان ما تبين لهم المسافة التي تفصلهم كنشطاء ونخبة سياسية عن جموع الشعب، فقرروا إقامة المؤتمر وصياغة الميثاق لتكون القيادة للجماهير. قرروا إذن أنهم بحاجة لحملة توعية سياسية تكون الجماهير فيها المُعلم بينما يكون الساسة والنشطاء تلاميذ.

وبالفعل غيّر المؤتمر والميثاق الحزب جذريا. أولا، لم يكن بمقدرة حزب واحد تنظيم نشاط بهذا الحجم، فاضطرهم طموح الفكرة إلى التعاون مع كافة الأحزاب والحركات المناهضة للنظام، عابرين حدودا أيديولوجية وعرقية وطبقية ودينية، ومنها ولدت حركة التحرر الوطني كحركة جامعة. ثانيا، على مستوى الأيديولوجيات، حيث حسم المؤتمر جدلا دار داخل الحزب ما بين رؤية أفريقية ترى الحل في تحرر الرجل الأسود كجزء من محاربة الاستعمار في القارة، وبين رؤية ترى الحل في نضال مشترك للمساواة ما بين كل من يعيش في الوطن باختلاف أعراقهم بما فيهم البيض. ثالثا، على مستوى الأولويات، حيث كان المؤتمر أول فرصة حقيقية للنخبة السياسية للتعرف على مشاكل وطموحات الفلاحين.

ومع إقرار الميثاق تغير التاريخ. سقط النظام في عقول الجماهير في ذلك اليوم حتى وإن احتاج لأربعين عام ليسقط فعلا. ووُلد الشعب ككيان موحد بعد أن فرقه الاستعمار والنظام إلى أعراق وقبائل، وُلد بهدف موحد ورؤية تتوارثها الأجيال وتقبل دفع ثمنها بالاستشهاد والتعذيب والاعتقال. حمى الشعب شرعية الميثاق إلى أن سقط النظام وبقى الشعب. وتجسدت شرعية الميدان في دستور بديع مستلهم من ميثاق الحرية، واستمر الشعب في حماية ميثاقه ودستوره.

واليوم في ميدان آخر نتجادل حول صياغة دستور جديد للجمهورية المصرية الثانية، ويسيطر علينا منطق أن من سيصيغ الدستور سينوب بنفسه عن الشعب. وبالتالي انحصر جدلنا في متى يصاغ الدستور وما أفضل طريقة لاختيار من ينوب عن الشعب. وكعادة النخب التي تؤمن أن النيابة مصيرها وحقها، يلتبس الأمر أحيانا ويظن من يسعى أن ينوب أنه وصي على الشعب. والصراحة أن لا فرق هنا ما بين فريق الدستور أولا وفريق البرلمان أولا، وأخشى أنهم اتفقوا على أن دور الجماهير ينتهي عند صندوق الانتخاب.

ويبدو أن التصور الشائع هو أن اجتماع القوى السياسية المختلفة وتوافقها يعني أن الشعب كله مُمثَّل. بينما كل الشواهد تقول أن القوى السياسية في مصر (بما فيهم أكثرها شعبية كالإخوان) منفصلة عن عموم الجماهير. وظهر هذا بوضوح في الميدان، حيث وجدت الأحزاب والحركات السياسية والنشطاء أنفسهم أقلية منعزلة لدرجة ما، حتى وهم يلعبون دورا قياديا أحيانا. هذا الانفصال، إن لم نعترف به، سيؤثر سلبا على عملية صياغة الدستور.

ولنا في تجارب لجان الوفاق عبرة؛ فمشاركة الشعب تؤدي إلى ميثاق ثوري مكتوب بلغة شعرية ينادي بفتح أبواب العلم والثقافة للجميع، بينما لقاء خبراء في غرفة مغلقة نتيجته أن يقترح علينا أحد رموز العدالة إعطاء ثقل أكبر في الانتخابات لأصوات المتعلمين. هل يمكن تصور أن يخرج هذا الاقتراح من وفاق وطني يشارك فيه من لم يكتب له حظ وافر من التعليم؟ هي وصاية إذن لا تمثيل ولا وفاق.

صحيح أن مبارك فصل الدستور البائد على مقاسه، لكن الحقيقة أن الكثير من الانتهاكات والتعديات في ظل نظامه تعارضت مباشرة وبشكل صارخ مع مواد الدستور، فالتعذيب بالتأكيد لم يكن سلوكا دستوريا حتى تحت أحط الدساتير. لم يحمنا الدستور إذن.

بل علينا أن نتساءل: ما قيمة دستور يصاغ بدون مشاركة شعبية حقيقية؟ حتى لو كان دستورا مثاليا، فهو يظل حبرا على ورق ما لم يتوفر توازن قوي يفعّله ويحميه. الميثاق الشعبي صاغه الشعب، وتحول هو والدستور المنبثق عنه إلى عقد اجتماعي حقيقي وجزء من هوية الشعب تتوارثه الأجيال، والشعب حامٍ لشرعيته الثورية والدستورية. بينما أنتج لنا الوفاق حلولا كارثية للخروج من هذا المأزق، مثل تسليط الجيش كحامي لمدنية الدولة، مما يستدعي بالضرورة ألا تخضع مؤسسة "سيادية" ذات قدرات قمعية واسعة وذات تاريخ من الانتهاكات والتدخل في الحكم لأي رقابة من هيئات منتخبة.

لنكن متواضعين؛ مانديلا ورفاقه احتاجوا دروس الجماهير لتوعيتهم سياسيا. لماذا نفترض أننا أفضل منهم؟ لماذا، ما دام اتفقنا أن الدستور أحد أهم أهداف ثورتنا المستمرة، لا نشرك جماهير الثورة في صياغته؟

هل نحتاج أن نمر بتجربة مشابهة لجنوب أفريقيا ونشترك جميعا في نشاط جماعي لرسم مصر التي نحلم بها؟ وماذا سينتج عن انخراط عشرات الآلاف في جمع الحلم من منابعه الشعبية؟ ربما نصل إلى وفاق حقيقي ونستعيد وحدة صفنا، ربما نكتشف أولويات قد غابت عنا؛ فعادة الأحزاب مثلا تجاهُل قضايا البيئة أو الاكتفاء بالإشارة إليها بكلام مرسل، لكن ربما إن انصتنا للصيادين في بحيراتنا وشكواهم من تدمير المصايد بسبب جشع شركات الصيد الدولية اكتشفنا لأي مدى هي قضية ملحة مرتبطة بالعدالة الاجتماعية وبحاجة لحماية دستورية حقيقية. ربما نحتاج أن نعطي لأهل البرلس، الذين ناضلوا طويلا من أجل شربة ماء، فرصة لتوعيتنا بمعنى أن تكون محروما من المياه العذبة وتذكيرنا بمكانة المياه كأحد الحقوق الإنسانية الأساسية.

أما الجدل المحتدم الآن حول من سيصيغ الدستور فيجب أن يتحول من نقاش حول محتوى الدستور إلى نقاش حول كيفية اختيار الجمعية التأسيسية، فالتعديلات الدستورية والإعلان الدستوري لم يحدد تفاصيل. يمكننا الاتفاق مثلا على تمثيل نسبي للنساء والشباب والأقليات الدينية، وتمثيل من كل محافظة، وحصص مخصصة لممثلي النقابات المهنية والعمالية والفلاحية، ومقاعد لنشطاء وحقوقيين ومبدعين الخ. أما الأهم فهو الاتفاق على آليات عمل الجمعية التأسيسية.

علينا أولا التخلي تماما عن فكرة أن صياغة الدستور أمر بسيط يمكن أن يقوم به خبراء في وقت وجيز استنادا إلى دساتير جاهزة. فسؤال واحد من الأسئلة الكبرى المطروحة (رئاسية أم برلمانية مثلا) يستدعي نقاشا مطولا قد يدوم لأسابيع. ومن الضروري أن تكون المداولات علنية وأن تعقد جلسات استماع ليتسنى للمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني وتنظيماتنا وحركاتنا المطلبية والسياسية أن تشارك في النقاش.

Subscribe to RSS - dostorna