You are here

Archive for August 2008

بقسماط بالينسون

ياااااااه كان بقالي كتير آوي مأكلتش بقسماط بالينسون .. و أول مقطمت قطمة افتكرتها.

من المذهل جدا ارتباط طعم معين أو ريحة معينة بشخص ما.

لما فكرت في الموضوع شوية لاقيت أن البقسماط بالينسون مكنش أكتر حاجة بتميز جدتي. كذا مرة كنت عايزة أكتب عنها و عمر ماجيه في بالي تفصيلة البقسماط بالينسون أو فكرت اديها أي اهتمام .. لكن الظاهر أن عمري مأكلت بقسماط بالينسون غير معاها أو على الأقل من إيديها و علشان كده كانت هي الذكرى الوحيدة اللي استحضرها طعمه.

ستو بطة كانت أول حد قريب مني يموت .. الكلام ده حصل من حداشر سنة و لغاية دلوقتي لسه مش مفهوم بالنسبالي. فضلت فترة طويلة متوقعة أخش بيتها ألاقيها .. و خاصة بعد مانرجع من زيارة عائلية بعيدة لأنها مكنتش بتقدر تيجي معانا في السنين الأخيرة علشان المشواير البعيدة بقت صعبة عليها.

السنة اللي فاتت كانت بتيجي على بالي و في أحلامي كتير جدا.

أفتكر الفرجة على مسلسل الصبح معاها الساعة اتناشر و ربع بعد النشرة و احنا بنفطر مع بعض. ولعها بالمسلسلات الأجنبية (بالتأكيد كانت هتابع مسلسل مهند و نور) و قراية أي كتاب يعدي عليها بما فيهم ألغاز المغامرين الخمسة بتاعتي.

قعدتها على الوابور و هي بتقلي السمك.

و كان أسهل ما عليها شغل مفرش جديد، بياضات للصالون أو جيبة جديدة علشان حفلة عيد الميلاد اللي هتحضرها حفيدتها بعد أربع خمس ساعات.

و بيبقى فيه حاجات صغيرة - لوازم كده عند كل حد - تقعد تتريق عليها وساعات تتنرفز منها و تبقى ديه أول حاجات تفتقدها لما الشخص ده يمشي من حياتك.

ستو بطة كانت بتقلق جدا على أولادها و بناتها، مع أنهم كبروا و اتخرجوا و سافروا و خلفوا.. كانت تقعد في الشباك تستنى خالي لحد ما يرجع لو أتأخر بعد الساعة حداشر مع أنه سافر يدرس بره و قضى سنين بعيد عنها.

أحنا بقى كنا نروح من عندها (المنيرة) و على بال منوصل البيت (الحي العاشر - مدينة نصر) كنا نلاقي أربع خمس رسايل على الأنسر ماشين..
- ألو أيوة يا آمال .. أنتي لسه مجيتيش؟ .. طيب لما توصلي ابقي كلميني.. هه؟ (يتخللها لحظات انتظار الرد و كأنها بتكلم بنتها فعلا)
..
- أيوة يا موولة أنتو لسه موصلتوش؟
..
- ايه يا آمال هو أنا كل مأتصل ترد عليا البتاعة دي؟ أما ترجعي كلميني .. أنا عايزة أطمن عليكي (مع بوادر نرفزة)

الاستماع لرسايل الانسر ماشين من غير رسايلها في النص و رد فعلنا ليهم من ابتسامة (على عمايل الكبار) أو نرفزة (من تكرار نفس الشئ كل يوم) .. مالوش طعم.

جدتي كانت جامعة للكراكيب .. ما كنتش ترمي حاجة أبدا (ست البيت المدبرة تعيد استخدام كل حاجة) .. فبواقي القماش مثلا ممكن يتعمل بيها مسكات للحلل، تتقص حتت صغيرة و تتحشي بيها الخداديات و لعب الأحفاد، يتعمل بيها إطار لليفة كل حد في العيلة، جيوب تتعلق على الحيطة علشان كل حد يحط فيها رفايعه ..إلخ نفس الشئ بالنسبة للزراير و فرد الحلقان و اللعب الصغيرة اللي بتتوزع في السبوع و و و...

طبعا بناتها كانوا بيزهقوا من الترويق وراها و يتخنقوا معاها على كمية الكراكيب .. لكن عمري ماهقدر أنسى المشهد لما ماما و خلاتي كانوا بيفضوا دولابها بعد وفاتها ..و فجأة تتلخص حياة ستو بطة كده في كل رفايعها و كراكيبها و حاجاتها الصغيرة اللي مكنش الواحد كده شايف أهميتها أو قد ايه بتعبر عنها.. زي كده البقسماط بالينسون.

فاطمة رشوان 1924 - 1997