You are here

Archive for November 2007

قسم العمرانية

قسم العمرانية بيسبب لي حالة رعب غريبة

الموضوع بدأ بقضية أحمد تمام و دي واحدة من أولى قضايا خصخصة التعذيب، الكلاب في القسم عذبوا أحمد تمام كخدمة لجاره اللي كان متخانق معاه خناقة تافهة. قضية أحمد تمام من القضايا القليلة جدا اللي اتاخد فيها حكم ضد رجال الشرطة (الحكم نفسه كان هزلي اتحكم على الجبان عرفة حمزة بسنة قتل خطأ و الأنكى أنه بعد ما قضى عقوبته رجع لشغله عادي و اترقى كمان).

لكن مشكلتي أنا الشخصية أن والدي كان على رأس المحامين اللي اشتغلوا على القضية و مثلوا أسرة القتيل و مصيبتي الأكبر أن بيتي في منطقة نفوذ قسم العمرانية.

أول مرة أحس بالرعب ده كان لما جارتنا كلمت القسم بسبب دوشة طالعة من شقتنا، لما جاء صول من القسم انتابتني حالة ذعر، الصول كان عارف أبويا مين و حذرني بشكل صريح و مباشر أني أخلص الموضوع مع الجارة ودي لأني لو دخلت القسم الظباط ممكن يخلصوا في ثأرهم. (واخد بالك أن الشرطة هي اللي ليها ثأر مش أهل الضحية).

من بعدها و أنا بتفادى القسم تماما و لو معدي من الهرم يا أما بمشي الناحية الثانية يا أما بخرم من وراه.

في يوم عيد ميلادي الثالث و العشرين 18 نوفمبر 2004 طلع في دماغنا في وسط الاحتفال أننا ناخد فلوكة، لمينا بعضنا و نزلنا و لما رجعنا البيت لقينا الباب مكسور، و رغم أن متسرقش من البيت غير موبايل افترضنا أنها كانت عملية سرقة، لكن رعبي من القسم منعني من أني أروح أعمل بلاغ. بعدها بكام يوم اختفى لابتوب من بتوع بابا و فسرنا الموضوع بأنه عجز و بقى بيسرح، بعدها بشهرين اقتحموا بيت أهلي و سرقوا لابتوب فقط في ظروف غامضة جدا، و فهمنا وقتها أن اللي اقتحم شقتي ده أكيد كان من كلاب الداخلية (لو تايه في القصة المسألة بسيطة الشقة اللي أنا عايش فيها دلوقتي دي كانت شقة العيلة و اتولدت و اتربيت فيها و بعدين هما نقلوا على مكان أفضل و أنا اتجوزت فيها، يعني الاقتحام كان بحثا عن جهاز الوالد و ملوش علاقة بي، سخرية القدر بقى أنهم اقتحموا بيتي و راقبوا تليفوني قبل أصلا ما يبقى لي أي نشاط سياسي من أي نوع).

خدوا بالكم أن على خلفية الحواديت البسيطة دي في كل سنة واحد ثاني بيتقتل في قسم العمرانية، ده غير حوادث التعذيب العادية اللي مبتوصلش للقتل.

لما جت الهوجة بتاعت الانتخابات كنت خايف أدخل القسم و لو حتى عشان أعمل بطاقة انتخابية (طبعا ده خوف عبثي المسألة مش خطيرة للدرجة و في الآخر اتنيلت عملت البطاقة).

لما اتحبست السنة اللي فاتت، رغم قسوة التجربة كلها علي لكن الحقيقة أني مقارنة باللي شافوه زملاتي كنت مدلع. لحد يوم الافراج لقيتهم باعتيني قسم العمرانية، مع وعود بأن المسألة اجرائات بسيطة و هتخلص بسرعة.

اللي حصل أنهم ماطلوا في الورق بتاع الافراج و رموني في تخشيبة العمرانية.

لو كان عندي أي شكوك في أن حالة الذعر اللي عندي دي مرضية أو عبيطة فليلة واحدة في تخشيبة العمرانية أثبتتلي أن الواقع أسوأ بكثير جدا من أي حاجة خيالي ممكن يتصورها. التخشيبة عبارة عن أوضتين كبار مربوطين بطرقة، الطرقة في نصفها باب حديد لو اتقفل بتتفصل الأوضتين عن بعض تماما، الأوضة اللي جوه عاملة زي كوابيس رجال عصور ما قبل الحضارة، ظلام دامس و كائنات هلامية بتصدر أصوات غامضة اللي بيترمي جوه مبتسمعلهوش حس ثاني. الأوضة الخارجية كانت شبه أحقر و أزحم و أوسخ زنزانة في سجن طره، يعني مصيبة لكن ينفع أستحملها. الحمام من رعبي محاولتش أشوف أصلا شكله عامل ازاي.

أماكن الاحتجاز عندنا مكدسة و بشدة، و التخشيبات أسوأها، و عشان متفتكرش أن التخشيبة دي مكان للحبس المؤقت خد بالك أن من كثر تكدس السجون بقيت الأحكام القصيرة بتتقضى في التخشيبة.

لكن على بختي ولاد الكلب كانوا عاملين حملة في المنطقة قبل ما أشرف على طول و بالتالي التخشيبة كانت مكدسة قد المعتاد مرتين ثلاثة، أحنا بنتكلم في حاجة من نوع 700 بني أدم في أوضتين و طرقة.

المصيبة الأكبر أن مفيش أي اجرائات من أي نوع، المحتجزين نسبة منهم غير مقيدة في أي محضر و مفيش أي تفتيش من أي نوع، و ده معناه أن فيه نسبة مش بطالة لو اتقتلت في القسم محدش هيعرف أصلا و طبعا معناه أن الأسلحة و المخدرات متوفرة جدا جدا جدا جدا جدا.

أول كام ساعة كبير التخشيبة كاباكا وصى علي، تقريبا كده سمع أني متحول من سجن و أمن دولة و شافني بدقن فقرر أني راجل سلفي صالح، و بالتالي سابوني أقعد في الطرقة ناحية باب التخشيبة و في النور. لكن لما نام كاباكا الوضع اختلف تماما.

التخشيبة كلها تقريبا كانت مصرصرة و طبعا طلعت عليهم الكيمياء ببارانويا و عنف و خناقات، فجأة و من غير أي مقدمات لقيت نفسي في وسط عدد لا نهائي من الصراعات المتشابكة (خناقة منهم كانت على حقوق توزيع العصير اللي جيبته معايا) و في وسط الخناقات دي كان فيه محاولات من أهل الظلمات أنهم يترقوا لمصاف أهل النور و بالتالي لقيتني مرمي في الأوضة الداخلية. مظنش أني أعرف أوصف لا الشكل ولا الاحساس و لا أسباب الرعب، المهم أني عرفت أرجع للطرقة بسرعة لكن المرة دي كنت داخل الباب الحديد.

بعد حالة الهيستريا الجماعية بدأ المساجين يناموا و طبعا المكان اللي مكانش مقضي الناس و هي واقفة و قاعدة مش هيقضيهم نايمين، قانون التخشيبة هو اللي تقدر تكسبوا بدراعك اكسبوا و اللي متقدرش اكسبوا بموسك (الأقدمية و طول الحكم ده شغل برجوازية السجون ميمشيش في التخشيبة). في الآخر اتبقالي بلاطة واحدة أقف برجل شوية و بعدين أبدل.

المشكلة أن البلاطة دي كان فيه عشرات طمعانين فيها و الحقيقة أني لغاية دلوقتي مش فاهم كان تصورهم أني هتشال من على البلاطة و أروح فين، المهم بعد ساعات من محاولة تفادي الاشتباك لقيتني بقاتل بايدي و ضوافري و سناني عشان البلاطة، و فضلت واقف على رجلي في حالة تأهب دائم و خناق لمدة سبع ساعات بالتمام و الكمال (كان معايا ساعة مثبتها من فادي أمين اسكندر بعد بيها الوقت و كل شوية أقنع نفسي أن أكيد أهلي هتيجي تلحقني قبل الساعة كذا، و لسبب لا يزال غامض محدش جاء غير ثاني يوم بعد الظهر).

المهم لما أخيرا حد عبرني طلعت منهار تماما، على وشك البكاء و رعبي متملك مني تماما، أي شجاعة أظهرتها في مظاهرة و لا عربية تراحيل ولا نيابة و لا سجن اختفت، و الليلة دي أخذت مني أكثر من 45 يوم حبس. و الباقي أنتم عارفينه الناس مشيت الخبر و التليفزيونات و الاتصالات نزلت ترف على القسم و الناس ابتدت تنسق للتجمهر قدام القسم.

و فجأة سيادة المأمور و سيادة معاون المباحث اللي كانوا مصرين أن لسه فاضل ورق و اجرائات محتاجة كمان ليلة على الأقل أفرجوا عني من غير أي اجراء ولا دياولوا.

طبعا رميتي في التخشيبة دي كانت مقصودة، لكن في نفس الوقت الحالة اللي أنا عشت فيها شاركني فيها مئات أغلبهم لسه مبدأش معاهم التحقيق أصلا و نسبة كبيرة منهم جايين في جرائم تافهة جدا لا تستدعي الاحتجاز من أصله. دخول التخشيبة ساعة واحدة يعتبر تعذيب و تعذيب شديد كمان.

أكثر حاجة مضايقاني أن ولاد الكلب عرفوا سكتي منين، أي بلاغ تافه يسمحلهم أنهم يركنوني في القسم يومين ثلاثة و لا يخفى عنهم قد ايه أنا مرعوب منه، لما الفسل عبد الفتاح مراد قدم فينا بلاغ سب و قذف و لما أكتشفنا أن النيابة عندنا لازم لما تفرج عنك تسلمك للقسم كان كل همي أننا نتسلم لأي قسم غير قسم العمرانية (و فعلا قسم الدقي كان مقارنة بالعمرانية ولا المصيف).

أخبار التعذيب في القسم لا تتوقف و السكور بتاع قتيل سنويا لسه شغال، لما سمعت عن الوقفة اللي مرتبلها مصرييون ضد التعذيب قدام القسم اتضايقت قوي أني مش هقدر أشارك كانت هتبقى فرصة أواجه كابوسي وجها لوجه و حوالي رفاقي المرة دي.

لما سمعت أنهم خطفوا ماما من قدام القسم اتلخبطت تماما، كل الرعب طبق علي و عجز رهيب و أنا بحاول أستوعب ايه اللي مكتوب في الايميلات لحسن الحظ أني خدت بالي من الخبر متأخر بعد ما كانوا أفرجوا عنها و قدرت أكلمها و اطمئن عليها.

لحسن ننسى و نحتفل

أيام بعد الحكم على الحيوان اسلام نبيه نسمعخبر تعذيب عبد الكريم نبيل سليمان في السجن

طبعا تعذيب سجين و سوء معاملته مش موضوع جديد و لا مستغرب و مش بالضرورة مرتبط بشخص السجين ولا سبب سجنه، لكن مش قادر أتخلص من فكرة أن عقوبة الظابط اللي بيعذب و ينتهك عرض مواطن ثلاث سنين في حين أن عقوبة الشاب اللي بيعبر عن رأيه أربع سنين.

يحيا العدل.