You are here

ثوار قدامى

Primary tabs

سبتمبر 2006

سافرت جنوب أفريقيا للمشاركة في مؤتمر عن الاعلام و تجمع للمدونين الأفارقة، الرحلة جائت في وقتها تماما بالنسبة لي لأني كنت عايش حالة من اللخبطة الشديدة في الوقت ده.

كان فات شهرين على تجربة السجن و معموللي هيصة كبيرة و بقيت راجل مشهور و هاتك يا صحفيين و دعوات و عروض شغل و اهتمام مبالغ فيه و كان مفيد جدا لي في وسط ده كله أني أزور بلد أي انسان محترم في سن ال30 و طالع مر بتجربة سجن و تعذيب أطول و أصعب من أي حاجة أنا مريت بيها و بيتعاملوا مع ال45 يوم بتوعي على أنهم حاجة عادية خالص.

كانت حرب تموز في لبنان لسه خالصه لكن الجدل حولها في مصر لسه شغال, و في وسط الخناقات و المزايدات و السجالات و النقاشات كان مفيد أني أزور بلد كل حد تقريبا فيها كان متضامن مع المقاومة اللبنانية و عنده موقف غير ملتبس من اسرائيل (أصلهم مش ناسيين لاسرائيل تعاونها مع النظام العنصري و لا قادرين يبلعوا استمرار الصهيونية لتشابهها مع الأبارتهايد) لدرجة أن شبكة تلفزيون اخبارية جديدة كانت عاملة الدعاية بتاعتها في الشوارع في صورة اعلانات عن انحيازهم للحقيقة في تغطية حرب لبنان مساويين ما بين الانحياز للحقيقة و ادانة اسرائيل. و كان مفيد أني أسمع ناس بتتكلم عن ثمن المقاومة المسلحة من خبرة حقيقية و من غير ما يكون الفرضية الأساسية بتاعتهم هو حتمية الهزيمة.

لكن أهم خبرة في السفرية دي كانت التعرف على مجموعة متنوعة من المناضلين و الثوار القدامي اللي عاشوا انتصار حقيقي، و كان مفيد أني أعرف أن جزء من خبراتهم حاجات شبه اللي كنا بنعملها في مصر، فقابلت ناس كانوا من قادة الجبهة الديمقراطية المتحدة اللي بدأت حاجة شبه كفاية جدا، و ناس ناشطة في صحافة شعبية من قبل ما يخترعوا الانترنت و عندهم جريدة أهلية ملهاش طقم تحرير معين و و كل كتابها و مراسليها متطوعين و مع ذلك اصدارهم الأسبوعي بيوزع نصف مليون نسخة، و محامين حقوق انسان يحكوللي عن الدور اللي لعبه القضاء في تفكيك النظام العنصري، الخ. و اللي أثر في أكثر أن شوية من ثوار الأمس دول كنت حاسبهم من ضمن رفاق اليوم و السفرية دي كانت فرصة أني أعمق علاقتي الانسانية بيهم مش بس أعرف أجزاء من تاريخهم.

المحارب الأيرلندي

ثاني يوم من المؤتمر، مكانش أي حد من أصدقائي و معارفي لسه وصل و جو المؤتمر الرسمي حبتين و المليان صحافيين مفيش مشترك كبير يجمعني بيهم مخليني تايه. وقع بختي يوميها على مائدة عشاء فيها مدير في بنك باركليز/أبسا يكاد يكون كاريكاتير للرأسمالي الاستعماري، واحد أمريكاني أنا مقتنع تماما أنه كان سي أي ايه (أو مشتاق يكون سي أي ايه) و واحدة أمريكانية ثانية مصرة تحكيلنا بحماس شديد عن ازاي الأتاتوركيين في تركيا بيستخدموا المدونات في الدفاع عن العلمانية و الديمقراطية ضد الاسلاميين الوحشين. و في وسط الترابيزة اللي مايعلم بيها اللي ربنا دي راجل أيرلندي طويل في أواخر الثلاثين بيشتغل مدير نظم في جمعية أهلية و شغله كله على نظم جنو/لينوكس، فطبعا شبطنا في بعض و بدأنا حوار تقني جدا عن البرمجيات الحرة و بصوت عالي جدا لحد ما طفشنا باقي الترابيزة. و بس بقى على عدد كبير من قزايز البيرة حكى لي عن تاريخه.

في سن 15 سنة انضم سايمون للجيش الجمهوري الأيرلندي و بدأ تدريبه و اعداده للنضال المسلح، لصغر سنه مشاركش في عمليات و فضلوا محويشينه لكن على ما تم 18 كان بدأ يبقى عنده مشاكل مع أيديولوجية الجيش الجمهوري و شكوك في أسلوبهم في النضال و طلب الاستقالة.

القادة بتوعه تفهموا بس كان فيه مشكلة، ده فدائي مدرب و كان جزء من خلية سرية، يعني مطلوب من الانجليز و عنده معلومات تخليه خطر على خليته و قيادته، فخيروه ما بين الاستمرار معاهم أو الهجرة خارج أيرلندا، في المعتاد في المواقف المشابهة كانوا بيهربوا المناضل على أمريكا و يبدأ حياة جديدة هناك، بس سيمون ميعرفش أي حاجة غير النضال المسلح هيروح أمريكا يعمل ايه؟ قرر أنه يبحث عن قضية ثانية محتاجاه و راح مهاجر على بتسوانا، و في ظرف شهور انضم لخلية بتحارب الأبارتهايد في جنوب أفريقيا و معسكرها السري عبر الحدود في بتسوانا.

في الثمانينات كانت العنف في جنوب أفريقيا وصل لذروته و قوات الأمن و الجيش بدأت تعمل عمليات عبر الحدود، ده غير أن النضال الغير مسلح كان شعبيته و انتصاراته بتزيد. شك سيمون و رفاقه أن شرطة جنوب أفريقيا عرفت تفاصيل عن الخلية و أنهم مهددين و قرروا وقف النضال المسلح، و انتقلوا من بتسوانا لجنوب أفريقيا و قعدوا مستخبيين فترة طويلة.

وقف اطلاق النار

أغلب رفاق سايمون كانوا من جماعة المسلمين الملايو، بعد ما هدأت الأمور شوية استقروا كلهم وسط عائلاتهم في الكيب الغربية، و طبعا كل واحد فيهم راح شافله زوجة مسلمة صالحة بسرعة و مخلفله كام عيل. انتقل سايمون معهم لكيب الغربية، ما هو ميعرفش حد في البلد غيرهم و ملوش مطرح ثاني.

حكى لي سايمون عن صدمته في رفاقه اللي انتقلوا بسلاسة شديدة من ماركسيين راديكاليين مقتنعين أن الدين أفيون الشعوب و مؤمنين بالثورة على مؤسسة الدين و مؤسسة العائلة و البرجوازية و كل الكلام ده الى برجوازيين مسلمين عندهم حياة مستقرة. فضل عنده مشكلة مع حياة رفاقه الجديدة لحد ما حضر جنازة ابن أقرب أصدقائه، اللي مات و هو طفل في حادثة عربية. الجنازة كانت طبعا اسلامية و سايمون رصد بنفسه ازاي الطقس و تضامن القرايب و الجيران ساعدوا صديقه و زوجته في أنه يتحمل الألم رغم شكه في مدى عمق ايمان صديقه لكنه اكتشف معنى ثاني للدين أفيون الشعوب.

بدأ سايمون في التعرف على مجتمع الكيب الغربي و تاريخه الطويل و الغني من النضال، نضال مش شبه اللي هو متعود عليه، عائلات شديدة الاختلاط بتقاوم التقسيم العنصري في المنطقة السادسة، رجال دين يقودوا ثورات شعبية، رجال أعمال و تجار منخرطين في عصيان مدني.

وعى سايمون الدرس جيدا، الثورة ليست أسلوب حياة، ملهاش شكل معين و مهياش حكر على أيديولوجية واحدة أو طبقة بعينها، و البدائل للسلاح عديدة. و بناء حياة و أسرة و مستقبل في ظل الظلم و القمع ممكن يكون في حد ذاته مقاومة. فطبعا راح لاقيله زوجة كاثوليكية صالحة و خلفله طابور عيال زي أي أيرلندي محترم نفسه. و استر تماما في جنوب أفريقيا.

و بس بقى قعد يتنطط من شغلانة لشغلانة بحثا عن رزق أولاده و قعد يدور على دور يلعبه في السنوات الأخيرة للنضال. أخذ باله أن تكنولوجيا المعلومات دي حاجة مستقبلها كبير و الناس فيها مش هتدق قوي في موضوع الشهادات و التعليم، فعلم نفسه برمجة و شبكات، و مع نهاية النظام العنصري في منتصف التسعينات كان ابتدى يشتغل في الوب و أكتشف الجنو لينوكس.

لقى سايمون نفسه في الثورة الجديدة اللى اتولدت في رحم حركة البرمجيات الحرة، شيوعية رقمية جديدة، نضال لتحرير المعرفة و الثقافة العلم و أدوات الانتاج الحديثة. و زي ما الثورة الاشتراكية الأممية ظهرت عشان ما يتمش اقصاء حد أثناء اعادة تشكيل العالم بعد الثورة الصناعية، فيه ثورة أممية ظهرت عشان ما يتمش اقصاء حد أثناء اعادة تشكيل العالم بعد الثورة المعلوماتية.

هل انتصر سايمون أم انهزم؟

انهارت العنصرية في جنوب أفريقيا لكن تخلى الثوار عن أحلام الاشتراكية و ورثهم النضال المسلح مجتمع مهووس باستخدام العنف كحل لمشاكله، تقدمت أيرلندا اقتصاديا و علميا بعد ما بقى ثوارها هم حكامها، و رغم تخليهم عن حلم توحيد أيرلندا و انضمامهم للاتحاد الأوروبي بعد ما كانوا بيحاربوا عشان يستقلوا من انجلترا الا أن ايرلندا لعبت دور كبير في مقاومة هيمنة الليبرالية الجديدة و تقويض الديمقراطية في أوروبا و بقيت حامي حمى الاستقلالية هناك. برضه حركة تحرير المعرفة و ان كانت معركتها لسه مستمرة لكن النتائج متذبذبة. يبقى انتصر ولا انهزم؟

السؤال ده بالنسبة له ملوش معنى، رغم تاريخه النضالي الطويل في المحصلة النهائية دوره في تحقيق النصر أو الهزيمة صغير، و مع أن العالم اللي هو عايش فيه النهاردة ميشبهش أحلامه و هو صغير لكنه شايفه عالم أكثر عدالة، سايمون لا يبحث عن هزيمة أو نصر سايمون يبحث عن المعركة القادمة و رفاق السلاح و بس.

Comments

اعتقد ان سيمون ده هو الصنف الأكثر نقاء لهذا الجيل من الثوار .وما يقوم به الآن من البرمجة الشيوعية حسب قولك ( انا ما بفهمش حاجة في الموضوع ده الا طشاش ) هو جزء ناضج من ثوريته بس بدون ادغال وبدون سلاح . يعني تطبيق فكرة ديموقراطية المعرفة ( وشيوعها) لأن المعرفة في حد ذاتها اداة للتحرر. المشكلة ان الثوار من جيلي اتلخبطوا بعد ما حلوا الحزب . اللي منهم راح لبنان وانضم للمقاومة الفلسطينية (العرفاتية غالبا ) رجع محبط بعد ما اكتشف خيبتهم .واللي قعد في البيت واللي اشتغل في الاتحاد الاشتراكي واللي اتعين رئيس تحرير او رئيس حاجة او وزير ( وزيرين ) واللي اتدين بجد وادروش واللي انضم للأسلاميين زي عادل حسين او عمارة ..على الأقل عادل كان مقتنع الى حد ما باللي يعمله بعكس عمارة النصاب .. واللي اعتبر الكتابة هو السلاح الوحيد الباقي ..وكتب ايروتيك مثلا او راح فلسطين - اسرائيل زي حالاتي ( مش عاوز اتكلم عن كتاب آخرين)أعتقد ان العمل في حقوق الانسان او تنظيمات مثل بتاعة اساتذة الجامعة .. هو اصعب الايمان مش ابسطه في بلد زي مصر ما فيهاش يامه ارحميني مع حبيب العادلي. وعلى فكرة انت بتعرف تحكي جميل ..ده فن صعب عشان تخلي اللي بيقراك ما يزهقش منك زي يوسف القعيد

I woke up Monday morning praying for you guys. Is everything ok? I haven't even visited your blog since the jail time (takes too long for me to read in Arabic), it seemed an odd impression. Hope all is well. :)

raouf mousaadرءوف مسعد انا عاوز اعلق هنا على خبر عاجل وغريب اذاعته اذاعة هولندا العالمية - القسم العربي وهنا منقول بالنص

تمكن بدو سيناء الغاضبين من اختطاف قائد قوات الأمن المركزي في سيناء، العميد محمد العشراوي، وخمسة وعشرين من جنوده، اليوم الثلاثاء في منطقة المدفونة بوسط شبه الجزيرة، وكان قرابة 700 من البدو قد تظاهروا يوم أمس الاثنين احتجاجا على مقتل أحدهم على يد قوات الأمن المصرية، كما أطلقوا أعيرة نارية في الهواء، وقاموا بحرق إطارات السيارات في المنطقة بين العريش وطابا، وتفيد الأنباء الواردة من سيناء، أن قوات الأمن انتشرت بكثافة لحماية المناطق السياحية التي تجتذب عددا كبيرا من السواح طوال العام. وتعليقي هو الضغط يولد انفجار .. تحية للبدو في سيناء

وهذا هو الرابط لاذاعة هولنداhttp://www.rnw.nl/hunaamsterdam/mideastafrica/11110801 raouf mousaadرءوف مسعد

رواية سايمون عجبتني. اللي خير هو الناس بتدور دايما علي طرق لتغيير بيئتهم بشكل ايجابي اكثر فاكثر رغم أيديولوجية اللي حولهم.

علي فكرة, انا لسه باشتغل علي ترجمة الورقة. حابعت لك ايميل لما خلصت المشروع العظيم ده (المزاح عجبك؟ انا دايما باسخر من قدراتي القوية بالعربي).

جميلة هي هذه التدوينة إنها تثير في النفس تساؤلات عديدة هذا رجل يحارب بدون هدف تقريبا أو على الأقل بدون قضية واضحة و نحن لدينا لدينا الهدف و القضية و لا نحارب هل كلينا على خطأ؟ شيخ الجبل