You are here

لماذا رفضت دستور 2012: عسكرة الدولة

Primary tabs

نشرت على فيس بوك بتاريخ 21 ديسمبر 2012، اعيد نشرها هنا بمناسبة تجدد الأمل في حظر المحاكمات العسكرية للمدنيين من خلال لجنة تعديل الدستور.


اولا المحاكمات العسكرية

مادة (197)

ينشأ مجلس للدفاع الوطنى، يتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويضم فى عضويته رئيس مجلس الوزراء، ورئيسى مجلسى النواب والشورى، ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. ويختص بالنظر فى الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة. ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى .ولرئيس الجمهورية أن يدعو من يرى من المختصين والخبراء لحضور اجتماع المجلس دون أن يكون لهم صوت معدود.

مادة (198)

القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل فى كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها. ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تضر بالقوات المسلحة؛ ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكرى الأخرى. وأعضاء القضاء العسكرى مستقلون، غير قابلين للعزل، ويكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء الجهات القضائية.

يصر مؤيدي الدستور على التهوين من خطورة السماح بمحاكمة المدنيين عسكريا بنص دستوري، مدعين ان قصر المحاكمات العسكرية للمدنيين على الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة في حد ذاته ضمانة. المحاكمات العسكرية اصلا ظلم، فهي مصممة لسرعة التقاضي بناء على ترتيب القيادة العسكرية، و الاتجاه في الديمقراطيات لالغائها حتى للعسكريين طالما ان المحاكم المدنية متاحة و قادرة على النظر في القضية، و ينحصر دور المحاكمات العسكرية في محاكمات الميدان للمخالفات العسكرية التي يرتكبها عسكريين وقت الحرب او خارج حدود البلاد مثلا. بالتالي محاكمة اي مدني امام محاكمة عسكرية حتى لو بتهمة اعتداء على رئيس الأركان ظلم، فلا يوجد ما يمنع ان يحاكم نفس المتهم بنفس التهم امام القضاء الجنائي. و بالفعل المسودة الأولى للدستور نصت صراحة على حظر محاكمة اي مدني امام محكمة عسكرية، تم التراجع عن هذا الموقف المنحاز للعدالة في عملية السلق الأخيرة حماية لمصالح المؤسسة العسكرية.

المادة 198 لا تغير من الوضع القائم بشيئ، فقانون القضاء العسكري الحالي متوافق معها بعد تعديله من قبل مجلس الشعب قبل حله، و قد تم بالفعل محاكمة عشرات المدنيين بناء على هذا القانون، المادة 198 تسمح بمحاكمة فلاحوا القرصاية لمجرد ان الجيش قرر ان يضع يده بلا وجه حق على ارض جزيرتهم و رفض او مقاومة قرار وضع اليد تتحول الي جريمة تضر بالقوات المسلحة. و بالطبع المسكوت عنه لكن المفهوم للجميع ان رغبة الجيش في ارض القرصاية لا علاقة لها بحماية البلاد بل هي طمعا في ارض ذات قيمة عالية بغرض استغلالها في مشاريع تنمية عقارية كبناء فنادق او منتجعات بدلا من زراعة الأرض. قبل النص على ان القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة كان القانون يعترف بطبيعة القضاء العسكري كاحد مكونات القوات المسلحة و بالتالي جهة تابعة لوزير الدفاع، اي جزء من السلطة التنفيذية، و كان بامكان المواطن الذي تعرض لظلم المحاكمات العسكرية ان يطعن في قرار احالته للمحكمة العسكرية امام محكمة القضاء الاداري (بالفعل تنظر محاكم مجلس الدولة دعاوي كهذه)، كما ان احد اهم الطعون التي كنا نتقدم بها هو عدم دستورية محاكمة المدنيين عسكريا، الآن بعد النص على استقلال القضاء العسكري (و هو استقلال زائف لأن الغرض منه هو وجود آلية لمحاسبة العسكريين تخضع للقيادة) يقفل باب الطعن امام مجلس الدولة او الدستورية.

يدعي المبررون ان هذه الثغرات يمكن اصلاحها بالقانون، لكنهم يتجاهلون المادة 197 التي تفرض على البرلمان اخذ رأي مجلس الدفاع في صياغة اي قوانين متعلقة بالقوات المسلحة (و تشمل بالطبع قانون القضاء العسكري و تحديد اي جرائم تخضع لاختصاص القضاء العسكري)، اي ان الجيش سيكون الخصم و الحكم و سيكتب القوانين ايضا. و ان ادعى احدهم ان رأي مجلس الدفاع استشاري فقط فالواقع يقول ان رأي حامل السلاح لا يكون استشاريا ما دمت مجبرا على استشارته، و الدليل هو جلسة سلق الدستور و مناقشة المادة 197 نفسها، ما يفوق 80 عضو مدني في مواجهة اللواء شاهين وحده، و عندما حاول البلتاجي تعديل تشكيل مجلس الدفاع شخط فيه اللواء بجملته الشهيرة "هتحط واحد هحط واحد" بمعنى لو اضفت مدني للمجلس ساضيف عسكري، اخرس اللواء شاهين البلتاجي و كافة اعضاء التأسيسية بل و رئيسها الذي سبق ان استنكر ان يعامل القضاء العسكري كهيئة قضائية مستقلة، فبالله عليكم كيف نتوقع ان يخرج البرلمان بتشريع يتعارض مع رغبة و مصالح الجيش حتى لو المصلحة فساد بين؟

و كل هذا لا يهم، فحتى لو شرب البرلمان بيريل و صاغوا قانون محكم يتحدى فساد المؤسسة العسكرية و يحصر محاكمة المدنيين عسكريا في اضيق الحدود، النص على استقلال القضاء العسكري يعني ان لو تجاوزت النيابة العسكرية حدود ذلك القانون سيكون الطعن بعدم الاختصاص امام المحكمة العسكرية. و يبقى تطبيق القانون خاضع لمزاج المؤسسة العسكرية بما انه الطعن امام المحاكم الأخرى مستحيل. اما اذا حدث العكس و اصدر البرلمان قانون معيب يسمح بالتوسع في المحاكمات العسكرية للمدنيين بما يخالف مواد اخرى في الدستور، فلا مفر للمواطن ايضا لأن الدفع بعدم دستورية القانون سيقدم امام القضاء العسكري لنفس الأسباب.

لا يتوقف ضرر المادة 198 على اهدار حقوق المدنيين في حال اتهامهم من قبل عسكريين، تهدر حقوقهم ايضا لو كانوا مجني عليهم، فالنص على ان القضاء العسكري يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة و ضباطها و افرادها يعني ان اي جريمة يرتكبها اي شخصية عسكرية حتى لو هي جريمة سرقة او اختلاس او اعتداء او تهرب من تنفيذ حكم نفقة تنظر امام القضاء العسكري. بالتالي محاكمة اعضاء المجلس العسكري على جرائمهم خاضعة لمزاج القضاء العسكري التابع لوزير الدفاع. و اخيرا تفتح الجملة الأخيرة و خصوصا النص على ان لاعضاء القضاء العسكري كافة واجبات اعضاء الهيئات القضائية الباب لمشاركة القضاة العسكريين في الاشراف على الانتخابات!!!

ثانيا استقلال المؤسسة العسكرية عن الرقابة

مادة (195)

وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة ، ويعين من بين ضباطها.

مادة (197)

ينشأ مجلس للدفاع الوطنى، يتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويضم فى عضويته رئيس مجلس الوزراء، ورئيسى مجلسى النواب والشورى، ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. ويختص بالنظر فى الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة. ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى. ولرئيس الجمهورية أن يدعو من يرى من المختصين والخبراء لحضور اجتماع المجلس دون أن يكون لهم صوت معدود.

ان يفرض الدستور ان يكون وزير الدفاع احد ضباط القوات المسلحة معناه صراحة ان يتفاوض الرئيس مع المؤسسة على من يرأسها و ان تبقى المؤسسة مستقلة عن الرئيس، و بما انها المؤسسة حاملة السلاح بالاضافة لقوتها الاقتصادية المبالغ فيها، تصير القوات المسلحة مؤسسة اقوى من الرئيس. المفروض ان القيادة الفنية للقوات المسلحة مسئولية رئيس الأركان و وزير الدفاع قيادة سياسية مثله مثل اي وزير آخر، و المفروض ان تعيين وزير سياسي تابع لرئيس الجمهورية المنتخب يضمن خضوع المؤسسة العسكرية حاملة السلاح للقيادة المدنية المنتخبة من ناحية و من ناحية اخرى ينهي السياسة عن مكتب الوزير و يحمي البلاد من تسييس المؤسسة العسكرية كلها. اضف الي هذا مادة مجلس الدفاع، دار جدلا كثيرا حول التوازن بين العسكريين و المدنيين في مجلس الدفاع، و في هذا الجدل مغالطتين، اولا احتساب وزير الداخلية و مدير المخابرات العامة كمدنيين، لكن الحقيقة انها مؤسسات امنية و في حسابات العلاقات المدنية العسكرية هم اقرب للعسكريين. و الأهم هو تجاهل ان اغلبية الاعضاء المدنيين وزراء و ليسوا من مناصب منتخبة.

تحتاج الديمقراطية لرقابة صارمة على كل السلطة التنفيذية، و المسئول عن تلك الرقابة بالأساس البرلمان (و يضاف اليه القضاء). السلطة التنفيذية قوامها الأساسي موظفين معينيين، و تملك التصرف في الميزانية و ادارة موارد الدولة. كما انها تملك و تدير السلاح (الجيش و الشرطة). السلطة التنفيذية هي السلطة الأقوى، و الاكثر تدخلا في حياة المواطنين اليومية، و بالتالي هي الأكثر قدرة على الأذى و الأكثر عرضة للفساد. كما ان السلطة التنفيذية متجانسة، على رأسها رئيس منتخب فقط، او ربما رئيس منتخب و رئيس وزراء من اختيار البرلمان، لا معارضة داخلية مثل البرلمان ولا هي مكونة مجلس متنوع و مداولاته علنية. لذا هي السلطة الأخطر التي تحتاج لرقابة دائمة و ضوابط تحكمها و تشكمها. الجانب المسلح من السلطة التنفيذية يتحاج ان يكون خاضع تماما للادارة المدنية و يحتاج لرقابة اكثر صرامة و قيود شديدة، فالسلاح ان وجه بشكل خاطئ ضاعت الحرية و الديمقراطية و الأمان و عم الفساد و القهر.

المادة 197 ترسخ لمجلس دفاع مسئول بشكل كامل عن كل ما يخص حاملي السلاح، و المسئولية حصرية، ففي الدستور لفظ يختص تعني بالضرورة يختص وحده، اي ان لا معقب عليه و لا رقيب غيره. المادة 197 تجعل القوات المسلحة و المخابرات العامة و اي شيئ آخر يمكن تصنيفه على انه جزء من وسائل تأمين البلاد و سلامتها غير خاضعة للرقابة البرلمانية. فالمجلس تشكيله كله عدا اثنان فقط من اعضائه من السلطة التنفيذية، ناهيك عن ان اغلبيتهم عسكريين او من مؤسسات امنية.

ثلاثة اعضاء مدنيين منتخبين فقط، و اثنان فقط من البرلمان، و غالبا رؤساء المجالس النيابية تكون شخصيات حزبية لا استقلالية لها و اكيد ليست من المعارضة، اي ان العسكريين و الأجهزة الأمنية خارج نطاق الرقابة و يشمل هذا الميزانية و ما يعنيه تحصينها من الرقابة من فساد و افساد، و المشورة في التشريع كما ذكرنا سابقا.

و طبعا اللغة الفضفاضة تسمح لمجلس الدفاع بالتدخل في اي شيئ و كل شيئ، فتاريخيا حجة "الأمن القومي لمصر" استخدمت لاقحام المؤسسة العسكرية و الأمنية في كل شيئ من توزيع اراضي الدولة لرغيف العيش و البحث العلمي.

اخيرا السخرة و اقتصاد الجيش

مادة (64)

العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. ولا يجوز فرض أى عمل جبرا إلا بمقتضى قانون. ويعمل الموظف العام فى خدمة الشعب، وتتيح الدولة الوظائف العامة للمواطنين على أساس الجدارة، دون محاباة أو وساطة، ومخالفة ذلك جريمة يعاقب عليها القانون. وتكفل الدولة حق كل عامل فى الأجر العادل والإجازات، والتقاعد والتأمين الاجتماعى، والرعاية الصحية، والحماية ضد مخاطر العمل، وتوافر شروط السلامة المهنية فى أماكن العمل؛ وفقا للقانون. ولا يجوز فصل العامل إلا فى الحالات المنصوص عليها فى القانون.والإضراب السلمى حق، وينظمه القانون.

تماديا في حماية مصالح الفساد في الجيش عدلت المادة الخاصة بالحق في العمل في اللحظات الأخيرة لتسمح بالعمل القسري و بقانون، و لم تنص حتى على حكر هذا في خدمة الوطن ولا ان يكون بمقابل عادل ولا اي ضوابط. حاول المبرراتية التغطية على جريمة دسترة السخرة بربط هذه المادة بالتجنيد و هو كذب فالتجنيد منصوص عليه بالفعل في المادة 7، و ادعى اخرون ان المادة مطلوبة لاستحداث عقوبات كخدمة المجتمع او الحبس مع الشغل، و هذا كذب ايضا فالاصل ان العقوبة هي تقييد لحرية و حرمان من حق، فالحبس حرمان من الحق في حرية الحركة و العمل و الخصوصية، و الاعدام حرمان من الحق في الحياة و مع ذلك لا توجد استثناءات في المواد المنظمة لتلك الحقوق.

الحقيقة واضحة كالشمس، تستغل مؤسستي الجيش و الشرطة التجنيد الاجباري لتشغيل فقراء الوطن بالسخرة، و السخرة المقنعة عندنا لها ثلاث اشكال، السخرة لصالح القيادة عندما يستغل ضابط ذا رتبة مرتفعة مجند في خدمة في مكتبه او بيته، و السخرة في مشاريع الجيش الاقتصادية من مصانع مكرونة و سخانات و قاعات افراح و فنادق و محطات بنزين و غيرها من استثمارات امبراطورية الجيش الاقتصادية (و السخرة هنا اعتداء على حق المجند و اعتداء على السوق ايضا فمن يقدر على منافسة شركة تملك عمالة مسخرة؟)، و النوع الثالث هو استغلال التجنيد في اعمال الشرطة و خصوصا الأمن المركزي (و المشكلة هنا لا تتوقف عند انتهاك حق المجند، لولا التجنيد لما تمكنت الدولة من بناء جهاز شرطة قادر على قمع ملايين المصريين و حشد قوات امن مركزي تكفي لقمع مدينة بأكملها مثلما حدث مع المحلة في 2008 و مع السويس في مطلع الثورة).

مع دخول الثورة في صدام مع حكم العسكر ارتفعت لأول مرة اصوات منادية بانهاء الاقتصاد العسكري و انهاء السخرة، و بدأت بالفعل عملية مقاضاة ضباط على تسخير المجندين لخدمتهم، كما انطلقت حركة عمالية لأول مرة في المصانع الحربية. و لذا ظهر الاحتياج لدسترة و تقنين عملية السخرة لحمايتها من هجوم وشيك.

الحقيقة ان المواد الخاصة بالمؤسسة العسكرية كلها صيغت لتحمي و ترسخ الوضع القائم بكل ظلمه و فساده، و بدلا من ان يدعم الدستور الحركة الثورية صيغ ليجهضها.المواد 195 و 197 و 198 مجتمعة تجعل الجيش و معه المؤسسات الأمنية ليست فقط دولة داخل الدولة لا تسأل عن فسادها و اهمالها و انتهاكاتها، بل ترسخ لها كدولة فوق الدولة، ننتخب و نتداول السلطة كيفما نشاء و تشكل حكومات و تجتمع برلمانات و تكتب قوانين كل هذا في النهاية تابع و خاضع لاملاءات حاملي السلاح بدلا من ان يكون مدير و رقيب و ضابط و حاكم لحاملي السلاح.

Comments

للثورة سبعة مطالب أساسية: عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية، عدالة انتقالية، يسقط حكم العسكر، يسقط حكم المرشد. وما لم يتضمن الدستور هذه المطالب فلن يكون دستور ثورة. هذا هو الحد الأدنى وإن كنت أتمنى أن يعاد النظر في كافة الاتفاقيات الدولية والعلاقات الخارجية حتى تمثل مصر ما بعد الثورة ومبادئها، وحتى لا تفسد الضغوط الخارجية كل شيء.
المشكلة هي: ماذا سيحصل إذا لم يمر هذا الدستور؟ هل سيعود دستور قديم؟ هل سيعاد الاستفتاء على الأبواب أو المواد؟