You are here

التخبط و الثورة المستمرة

Primary tabs

نشرت في جريدة الشروق في جمعة الغضب الثانية 27 مايو 2011

منذ قيام الثورة ونحن نتأرجح ما بين القلق والتشائم وبين الإحساس بالقوة والتفائل، ومهما تكرر التأرجح لا نعتاد عليه. مصادر القلق الحالي عديدة، لكن أكبرها إحساس بأن هناك تخبط وتشرذم داخل قوى الثورة، والبعض يشتكي من تشتتنا عن الأولويات.

أظن منبع هذا القلق ليس إهمال الأولويات وإنما مسألة أعمق؛ فنحن في مرحلة متقدمة من ثورتنا ووصلنا لمحطات بها خلافات جذرية حقيقية ما بين قوى الثورة. أولا: خلاف أيديولوجي مبدأي حول الدولة العلمانية والدولة الدينية. لا مفر من مواجهة حقيقة أن هناك طرحين ولكل منهما شعبية وتواجد في المجتمع ككل وليس فقط في نخبه السياسية، وطبعا هناك طيف من الدرجات بين الموقفين. كنا مفترضين جميعا أن طرح "مدنية" الدولة هو مساومة مقبولة، وأن الخلاف والسجال سيكون حول أي درجة من درجات الطيف سنختار وكيف ستصاغ المساومة. لكن منذ لحظة الاستفتاء ونحن نشهد حالة تمترس واستقطاب حول مدى مدنية الدولة.

ثانيا: خلاف على شكل الاقتصاد؛ هل نتبنى سياسات سوق حرة مطلقة أم تُفرض على الدولة التزامات لتحقيق العدالة الاجتماعية تستدعي تدخلها في إدارة الاقتصاد؟ وهنا طيف الآراء أوسع، فمدى تدخل الدولة وشكل انحيازها الطبقي يتبعه أيضا أسئلة عن الآليات (تعاونيات أم قطاع عام). وتختلف الصورة أكثر حسب النشاط الاقتصادي (الفلاح يحتاج قروض بفوائد قليلة، والطبيب يحتاج هيكل أجور عادل). كما أن العدالة الاجتماعية تشمل قضايا متعددة (مجانية التعليم، تأمين صحي عام، الخ). في الاقتصاد أيضا بدا لنا في بداية الثورة أن الموائمة والمساومة ستكون سهلة، فالكل هتف للعدالة الاجتماعية، لكن الخلاف هنا ليس صريح و مباشر وإنما تبدى في تعامل كل فصيل سياسي مع ما أطلق عليه التظاهرات والمطالب الفئوية.

يتخلل هذا خلافات أخرى تكتيكية لا مبدأية عن مدى المواجهة مع سلطة المجلس العسكري والحكومة، وعن تقبل جدول الفترة الانتقالية (الذي يفترض أن الاستفتاء حدده) أم الإصرار على تأجيل الانتخابات أو تقديم صياغة الدستور عليها.

أما المربك أكثر فخلافات تحليلية، فمثلا تكرر إعلان أن العلاقة ما بين الجيش والشعب خط أحمر، والكل يجمع على أن الوحدة الوطنية أيضا خط أحمر. يبدو الأمر لا خلافيا إذن، لكننا غير متفقين على لماذا هذه الخطوط الحمراء مهددة ومن المسئول عن تفادي تخطيها، ولا حتى متفقين على درجة الخطر (ما بين من يرى خطر الحرب الأهلية غدا ومن ينكر وجود فتنة أصلا).

يبدو الأمر معقدا جدا لو حاولت توزيع القوى السياسية، فالليبراليون مع اليسار والقوميين في مدنية الدولة، لكنهم أقرب للإسلاميين في الموقف من الاقتصاد، وهكذا.

الحقيقة أننا لسنا بصدد كارثة، ما يبدو كتشرذم هو وضع طبيعي جدا، فاتفاقنا على رفض الاستبداد والفساد لا ينفي اختلافاتنا وحتى اتفاقنا على أهداف كبرى، مثل تحسين التعليم والصحة، لا يعني اتفاقنا على مخطط واحد لكيفية الوصول لهذا الهدف. هكذا تكون الديمقراطيات.

لكن الإحساس بالتشرذم في رأيي منبعه خلاف أكثر جذرية عن طبيعة اللحظة الراهنة وشكل الدولة، وهو هنا ليس خلاف ما بين قوى سياسية وبعضها وإنما خلاف غير ملتزم بحدود القوى ومنتشر داخل جمهور الثورة نفسه. هو تقريبا خلاف في تعريف معنى أن ثورتنا مستمرة.

الطرح الشائع أن تلك الخلافات ستحسمها الانتخابات، وأن الشعب عندما يختار نوابه ورئيسه (أو حتى جمعيته التأسيسية في الطرح الرافض للاستفتاء) يكون عبر عن رؤيته وانحيازاته وسيقوم الممثلين بالتعبير عن الرغبة الشعبية وستظهر الموائمة المناسبة من نسبة تمثيل كل تيار.

في المقابل يحاول البعض الإجابة عن تلك الأسئلة في الشارع، لذا ترى إلحاح في الإضرابات المنادية بإصلاح الأجور رغم أن الانتخابات على الأبواب، وتسارع في تشكيل نقابات عمالية وفلاحية وفي تحرير وتطهير النقابات المهنية، ما نراه هو قطاع واسع من جماهير الثورة تحاول أن تؤثر من الآن على المساومة والموائمة حول العدالة الاجتماعية.

بل أن جمهور الثورة في استنفاره في الشارع يفرض أسئلة أخرى مصيرية عن شكل الجمهورية الثانية والحكومة القادمة تبدو غائبة عن السجال، فالتظاهر ضد المحافظين والإصرار على انتخاب عمداء الكليات بمثابة فرض أسئلة عن مدى مركزية الدولة، والتظاهر بهذه الحرقة و الاستعداد للتضحية ضد سفارة الصهاينة يمكن اعتباره حوار عن طبيعة سياسة مصر الخارجية وهوية الدولة.

ومحاولة حسم أو التأثير على تلك القضايا من الشارع لا يتعارض مع الديمقراطية، فكافة الديمقراطيات ترى سجالا على الأجور والعدالة الاجتماعية في صورة إضرابات وتظاهرات وليس فقط في صندوق الاقتراع والمناظرات الحزبية.

ورغم أن الانتخابات أفضل وسيلة لتداول السلطة لكنها ليست بالضرورة أفضل وسيلة للإجابة عن أسئلة بذلك التعقيد، فرأينا في ديمقراطيات غربية عريقة تطابق ما بين كل الأحزاب في قضايا عديدة مما يقلل من فرصة الناخب على الاختيار، ورأينا ائتلافات ما بين أحزاب لم تحصل أيا منها على أغلبية تشكل حكومات، بل ورأينا حكومات تخوض حروب ضد رغبات كتل شعبية أكبر من تلك التي انتخبتها.

المشكلة مضاعفة بالنسبة للناخب المصري لكونه كائنا مجهولا، فهو يشارك لأول مرة وبالتالي ستصاغ مواقف وبرامج وتحالفات المرشحين والقوى السياسية بناء على مواقف نظرية لا قراءة لرغبات الناخب. وفي النهاية لن تقدم للناخب ورقة استقصاء رأي معقدة يطرح فيها كل سؤال من تلك الأسئلة المحورية، وإنما اختيار ما بين المرشحين أو الأحزاب المطروحة في دائرته ووفقا لتحالفاتها؛ فمثلا كيف أختار دولة علمانية مع دور مركزي للقطاع العام لو تحالف اليسار مع الليبراليين؟ أو كيف أختار دولة مدنية ذات مرجعية وهوية إسلامية وعربية لو تحالف الإخوان مع السلفيين؟ وكيف أختار دولة لا مركزية بضرائب على مستوى المحافظة إن لم يطرح الأمر أصلا للسجال بين القوى المختلفة؟

إذن تحركات كل القطاعات ليست فقط للتأثير على الحكومة الانتقالية والمجلس العسكري، وإنما أيضا على برامج وأطروحات المرشحين والأحزاب للانتخابات والدستور. وهذا التخبط هو صورة من صور الحوار المجتمعي المنشود ومدخل للنقاش في محاولتنا للحلم بالجمهورية الثانية.

السنوات الطوال من النضال الذي أدت إلى الثورة خلقت مجتمعا فريدا، لو نظرنا له بشكل سطحي لتصورنا أن تحت حكم مبارك لم تكن هناك ممارسة سياسية. الحقيقة أنه لم تكن هناك حياة حزبية بالمعنى التقليدي، لكن كافة مؤسسات الدولة والمجتمع انخرطت في عمل سياسي لا حزبي، ولذا وجدنا القضاة يطرحوا من خلال ناديهم تصورات متكاملة عن الشرعية الدستورية والفصل ما بين السلطات، والآن نرى الأطباء من خلال نقابتهم وإضرابهم يطرحون طرحا متكاملا لإصلاح الصحة العامة وهي أحد أهم أركان العدالة الاجتماعية. أي أن للشعب أكثر من مؤسسة وقناة للتعبير عن رغبته، الشارع والمظاهرة والإضراب والإنترنت أوضحها الآن، والنقابة والجامعة والجمعية الأهلية واللجنة الشعبية صور اعتدنا واعتمدنا عليها حتى في ظل النظام البائد، وسيضاف إليهم أخيرا سلطات منتخبة.

تصوروا مثلا لو أن سياستنا الزراعية توضع بحوار يشمل علمائنا طارحين تصورات خلاقة عن التنمية والتطوير ونواب الشعب ممثلين لمصالح عموم الشعب وتوازنات الأمن الغذائي والميزانية والسوق ونقابات الفلاحين ممثلة لمصالح من يزرع الأرض. ألا يبدو هذا أفضل كثيرا من سجال بين حزبين قد تحسمه أصوات دائرة بلا فلاحين؟

قدمنا للعالم نموذجا فريدا للثورة السلمية، وأمامنا الآن فرصة لتقديم نموذج فريد لدولة أكثر ديمقراطية لا يقتصر دور المواطن فيها على اختيار ممثليه، وإنما يشارك مباشرة فى الحوار الصاخب عن مصير الوطن من خلال تكتلات مبنية على المصلحة والمهنة والجغرافيا أحيانا، ومبنية على الميول الفكرية والمذهبية أحيانا أخرى، ومبنية على الحلم المشترك دائما. كل ما علينا أن نتقبل ونحتضن تخبط ثورتنا المستمرة.