You are here

مسعد أبو فجر يكتب عن سيناء

Primary tabs

مسعد أبو فجر روائي له رواية جميلة (و مهمة) اسمها طلعة البدن و من قادة و منظمي حركة ودنا نعيش. نقرأ يمكن نفهم أكثر ايه اللي بيحصل في سناء دلوقتي


لم يكن هناك طريق، مشى البعض من هنا، فصار طريقا..

أكثر من خمسة وعشرين عاما، ونحن نشرب التعذيب والتمييز والإقصاء والاحتقار دقيقة وراء دقيقة.. حتى اعتقد البعض إن الذل صار يمشي كالدم في عروقنا.. خاصة وهو يرانا نتحايل كالثعالب على الحياة. تحايلنا تجلى في صور شتى، أكبر شيخ من مشايخ قبائلنا يرسله المخبر ليشتري له علبة سجاير من الكشك اللي قدام قسم الشرطة، اما نحن فقد صار البعض منا مثل لاعب السيرك بين الأجهزة، يلعب مع الأمن القومي ليحميه من امن الدولة، ومن لم يجد له مكان في الأمن القومي، لعب مع امن الدولة لتحميه من جهاز شئون البدو.. ومن لم يجد له مكان في جهاز أمن الدولة، لعب مع جهاز شئون البدو، ليحميه من جهاز مكافحة الجراد... وهكذا في دوخة لا تنتهي حتى تبدأ.. هذا على مستوى كبارنا، أما إحنا الناس العاديين، فقد صرنا نلف عن الأكمنة، لنتحاشى التمييز الذي يصفع وجوهنا عليها، نغير محل إقاماتنا ولوحات سياراتنا إلى محافظات أخرى، حتى نتحاشى الإهانة، نحاول قدر المستطاع ان نبتعد عن الدوائر الحكومية، إما إن لقينا نفسنا مجبرين، فسوف نبحث عن وسيط، ندفع له، حتى يخلصنا من الذل والمهانة، التي نتعرض لها إثناء تعاملنا مع الموظفين، الذين جاءت بهم الدولة، من قراها البعيدة، ليضخوا الحضارة في عروقنا (!!!) وليصيروا حكامنا الجدد.. خمسة وعشرون سنة ونحن ندفع للضباط والوسطاء والمخبرين، إن قبضت الشرطة على قريب لنا، حتى نبعد عنه عذاب التعليق والخوزقة، وهما تقليدان توارثهما حكامنا الجدد عن المماليك والعثمانلي.. وحتى لا نطيل الكلام، تعالوا الآن نمرق على محطات فارقة في علاقتنا معهم:

  • كان الحدث الفارق في التسعينات حين قامت الدولة بالاعتداء الجماعي على قبيلة تياها، وجر شيوخهم بواسطة الجيبات على الإسفلت، وتعليق نساءهم، وحجز رجالهم، وجعلهم يمشون على أيديهم وأرجلهم ثم ركوب عساكر الأمن المركزي على ظهورهم وضربهم بالعصا على أوراكهم، كما يفعلون مع الحمير في بلدانهم. لم يكن هذا حدثا عاديا، بل كان مثل 11 سبتمبر له ما قبله وما بعده.. فالحكومة فهمت غلط، إن الأرض هيأت لها تماما، إما البدو فقد عرفوا إن هذه الدولة لا تراعي فيهم عهدا ولا ذمة.. فهذه دولة ضعيفة، وقد فسرت صبرهم على انه ضعفا، وكان طبيعيا إن يكون رد فعلها جاهلا وعنيفا ومؤذيا. تلك الواقعة كانت ذروة التيه، التي سيعقبها حتما عملية البحث عن الطريق.
  • وكانت البداية حين اجتاز عرب العزازمة الحدود إلى إسرائيل، ورأى الناس كيف عادوا ليعيشوا في بطن جبل الجايفة، موطنهم الأغر، بهدوء وتوقفت تماما اعتداءات رجال الأمن ضدهم..
  • ولكن هذه الطريقة، طريقة العبور إلى إسرائيل، كان من الصعب على بدو سيناء ان يبلعوها، خاصة وفعل العزازمة له ما يبرره، من جهة إن العزازمة قوم بلادهم الأصلية شمال الحدود، وليس جنوبها كما هو الحال مع بدو سيناء ..
  • خرج احد عشر شابا، احتجاجا على القبض على أبيهم، وسدوا الطريق الدولي إلى طابا، مما اجبر السلطة للافراج عنه في الحال..
  • يوم 5/5/2004 طلع الشاب ربيع لويمي إلى أعلى التل، ليلتقط تليفونه المحمول الشبكة، فرآه كمين متحرك فأطلق عليه النار فأصابه في كتفه، فخرج الشباب وقفلوا معبر العوجة.
  • لم يكف رجال الأمن عن دخول تجمع المهدية، وهو التجمع الذي يبعد عن رفح إلى الجنوب بأقل من عشر كيلومترات، حتى سنة إلفين واثنين، حين اصطدم موسى أبو فريح مع واحد منهم.
  • وبتحرير المهدية، صارت المنطقة من منتصف حدود رفح الجنوبية، وحتى طابا في جنوب سيناء محررة تماما من سيطرة رجال الأمن..
  • وأخيرا جاءت اللحظة الحاسمة، لما أطلق رجال احد الكمائن المتحركة النار، من مدفع غرينوف، على سيارة مارادونا يسوقها خليل ابو جبرة، والى جواره سليمان حسين المنيعي، فمات الثاني في الحال بطلق في رأسه، وبعد ساعات تبعه رفيقه.
  • وعلى إثر الحادث خرج رجال البدو إلى الشارع، أوقدوا النار في إطارات الكاوتشوك، ولما تربص بهم الأمن، انقضوا على إسفلت الحدود، وسيطروا على المنطقة تماما، وكان المشهد مدويا...... أستمرت السيطرة على الحدود لمدة خمسة إيام بلياليها، ثم تبعها خمس مؤتمرات، كل مؤتمر اقيم على ارض واحدة من قبائل سيناء، وثمان ندوات في اماكن مختلفة من القاهرة، لتعريف بقية الشعب المصري بمأساة بدو سيناء، وأحقيتهم الكاملة في النضال..
  • ولما تلكأ حكامنا الجدد، سارت مئات السيارات وطوفت مدينتي الشيخ زويد ورفح، كان المشهد مباغتا، وكانت تلك لحظة ذعرهم الحقيقية، فقد كان بامكان هذه السيارات السيطرة على اي مكان تختاره في سيناء، ولكنها فاجاتهم حين التفت وعادت الى النقطة التي انطلقت منها، لينعقد هناك مهرجان خطابي، يذكر الحكومة بان الباقي من الزمن 48 ساعة فحسب، وبعده سوف يبدأ الاعتصام..

الآن نستطيع ان نقول ان النتائج لم تكن بحجم فعل الرجال، إلا انه ورغم هزالة العدد الذي تم الإفراج عنه من المعتقلين (حتى كتابة هذه السطور افرج عن حوالي ثلاثين فقط) إلا ان النتيجة الاهم، هي انه: لم يكن هناك طريق، فمشى البعض من هنا، فصار طريقا..

مسعد أبو فجر

Comments

ما عنديش علم كتير با بيحصل في الشمال إلا ال باسمعه أحيانا من بدو الجنوب، لكني متصور الحال. أعتقد أني مش الوحيد ال مترقب نتائج الأحداث في شمال سينا.

شكرا يا مسعد. كتابتك أفضل من أي تقرير يكتبه أي صحافي. المزيد.

الشكر لك ياعلاء على مجهودك الرائع في المدونة وعلى النشر طبعا

كما ان الشكر ايضا لعمرو على مروره

: ارسلت له ردا ولاني لست واثقا من وصوله اليك نسخة منه

الشكر لك يا عمرو على مجهودك في القراءة، لما نلتقي سنتحدث عن رؤانا المشتركة للمكان، الذي اظن انا نشترك في حبه، واظن ان الله احبه معنا، كما تقول الكتب المقدسة، حين اختاره مكانا وحيدا على الارض ليتجلى عليه. يومي الخميس والجمعة ساكون بالقاهرة، بقية ايام الاسبوع مقفول عليّ بالضبة والمفتاح في مكان عملي كما تقتضي تعليمات امن الدولة. مسعد ابو فجر

الحقيقة انا تعرفت على مسعد ابو فجر من الانترنيت حينما قفشني وبدأ يدردش معي ثم ارسل لي مخطوط روايته ، التي شرفني بأن طلب رأي فيها . تحمست لها لأني احب سيناء وان كنت لا اعرف الا القليل عنها . هالني الظلم الواقع على بدو سيناء وعلى كل الذين يعيشون على هامش المجتمع المصري الذي يتميز افراده ( معظمهم ) للأسف بنظرة استعلائية تقارب الفكر العنصري .. هؤلاء الافراد هم ايضا يعانون اضطهادا من الدولة لكنهم ولسبب غامض يعكسون اضهادهم هذا على الضعفاء في المجتمع. طلعة البدن عمل جميل ومؤثر وحساس يتميز به مسعد ابو فجر عن الكتاب الآخرين من الوادي بان هذه هي منطقته وهذا هو موضوعه الذي يوجعه والذي يعرفه شرابا واكلا ونوما .

مصر - الدولة ومعظم المصريين - تمسكوا بنظرتهم الاحادية لبدو سيناء بانهم اساس خونة ( ضد مصر ومع اسرائيل .. طيب وقبل اسرائيل ؟ ضد مصر ومع اي حد ضد مصر !!) طبعا ده كلام فارغ .. هؤلاء افراد تستولي الدولة على اراضيهم وتهين كرامتهم وتعذب شبابهم وهم يتمسكون بارضهم الذين عاشوا فيها قبل ان توجد دولة في مصر ! الرواية تحتاج الى اهتمام اكثر كما يحتاج بدو سيناء الى مزيد من الاهتمام مننا جميعا . رءوف مسعد

"وبتحرير المهدية، صارت المنطقة من منتصف حدود رفح الجنوبية، وحتى طابا في جنوب سيناء محررة تماما من سيطرة رجال الأمن.." عارف يا عم مسعد اكتر حتة فرقت معايا "محررة" كما لو ان الامن جيش اجنبى محتل....

ان بسال يا علاء انت ليه بتحدث كل فتره كبيره هوا انت مشغوول؟

مشغول جدا جدا جدا و بيجيلي حالة تناحة لما يبقى فيه مواضيع "مهمة" شغالة و معنديش حاجة أضيفها ليها راجع تدوينة "أنا مش مدون".